الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم حسن نور الدين صيادي

الأمانة في الأدب

الأدب واحة ظليلة تتناغم فيها الأجواء والأنداء، نلجأ إليها كلما كلحتِ الدنيا أمام رؤانا، نأخذ من عبيرها زاداً لأنفسنا، فهي ملاذ لكلّ مكدود، ومرتع خصب لكلّ من أنهكه السفر في شعاب هذه الدنيا التي تأخذنا في تيّارها صاغرين.

إنّه شعاع من الضوء يدخل مسارب الروح، فيُغدق عليها من نعمائه، ويجلو الظلمة السادرة في الحنايا.

فما أحرانا أن نقبس من هذا الشعاع نثارات ضياء، نجعلها تتغلغل في خوافقنا لتبعث الدفء والحبّ في الحياة.

وكم هو جميل أن نعطي الأمانة الأدبيّة حقّها.

فنحن عندما نقرأ قصيدة شعريّة أو رواية أو أيّ عمل أدبيّ، فيه مظاهر الإبداع والجمال، فإننا نبحث عن اسم صاحبه، ونريد أن نتعرّف عليه أكثر، لأنه أخذنا إلى عوالم شتّى، وأشعرنا براحة غامرة، عندها يمكن القول إن صاحب هذا العمل أمين ومخلص في عمله.

وربّما أن هذا العمل لم يأخذ صداه في النفوس، فيُهمل، وربّما أن الشتائم تُلقى على صاحبه دون النظر إلى مسألة هامّة، ألا وهي جهده الذي بذله في سبيل إنجاز ما كتب.

فكم من ساعات طوال أنفقها، وكم من ليالٍ سهرها حتّى توصّل في النهاية إلى عمل هو حسب قناعته راضٍ عنه.

فهذا قد يكون أميناً في صياغته لعمله لكن أمزجة القرّاء تختلف من واحد إلى آخر. وأنا لا أدعو للأخْذ بكلّ ما يُكتب، فالعمل الجيّد يفرض نفسه لِما يحمل من مقوّمات أدبيّة تنمّ عن صاحبه، لأن الأديب أضاف إلى نتاجه الأدبيّ هناك نتائج داخلي، ينبع من ذاته يحمل في مكنونه معالم وصفه بالأديب، يتمثّل بما تجود به قريحته من مثُل وأخلاق قويمة وإيثار وتضحية وفداء ومحبّة.

كما أن الأمانة الأدبيّة تتطلّب ذِكْر المصدر أو الكاتب الذي أخذ من نتاجه، لأن الكاتب كما هو معروف يأخذ أحياناً من نتاج غيره، ينهل من معارف من سبقوه، ويستقي منها، فتراثنا الأدبيّ غنيّ كلّ الغنى، ومن الحريّ بأيّ كاتب أن يستمدّ منه، ويحرص على ذكر المصدر وإلّا فليس من المعقول علينا أن نطلق لفظة أديب على من يسرق ويُمعن في السرقة، فالأدب منه براء.

والأمانة الأدبيّة تتطلّب من صاحبها أن يقدّم فروض الشكر والعرفان لمن قدّم له جميلاً، والجميل لا يقتصر على تقديم مادّي، بل هناك العطاء المعنويّ، وربّما أن هذا العطاء المعنويّ أقوى وأثمن وأجود، فملاحظة على قصيدة، أو انتقاد لمقال أو لقصّة، ويحمل هذا الانتقاد الصحّة والموضوعيّة والصدق والدفع نحو الأفضل، لا يتطلب الضيق والتذمّر من الناقد بل الشكر والامتنان، والحديث متشعّب وطويل، لكنّي أودّ ختم حديثي بهذه القصّة:

أعرف أحد الأساتذة العالمين بفقه اللغة وأسرارها، يُعدّ مرجعاً لكثير من الشعراء المبتدئين، أو الذين قطعوا شوطاً كبيراً في نظم الشعر، يحملون ما نسجوا كي يتزوّدوا بملاحظاته وانتقاداته وتوجيهاته، وهو جمّ التواضع لا يحب الظهور، ولا أريد هنا أن أعدّ خصاله، إنما سمعتُ أن صديق شاعر حمل ديوانَه إليه كي يدقّقه، مع أن الشاعر أوكل المهمّة إلى صديقه، ودقّق الأستاذ الديوانَ، وطُبع دون أن يَعرف الشاعر مَن دقّقه، ودون أن يُشار لهذا الاستاذ ولو بإشارة بسيطة، مع أنه كما قلتُ لا يحب الظهور، ولا يريد أن يُشار إليه. فأين الأمانة هنا؟؟؟!!!

ثمّ.... ألا ترى معي هذا النكران المنكر للجميل؟؟!!

أما سمع هذا الأديب قوْل "شكسبير":

(نُكران الجميل أشدّ وقعاً من سيف القادر).


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى