اشتقت إلى لون شعري
عندما انتزعت أول شعرة بيضاء من رأسي، ضحكت. عندما ظهرت الثانية أخفيتها. وعندما تكاثرت حتى تغلبت على السواد، توقفت عن عدها.
ما كان يخيفني ليس الشيب نفسه، بل ما كان يترتب عليه ويجره خلفه.
ذات يوم كنت يافعة أركض وأترنح بين الأزقة، أتسلق شجرة التوت، أسهر حتى يبزغ الفجر وكأن النوم لم يخلق لمثلي.
كانت ضحكاتي تعلوا دون أن أبالي إن كان يليق بفتاة ذلك أو لا.
أحمل أكياس التبضع في كلتا يداي وأحمل أحلامي داخل قلبي والعالم كله أحمله فوق كتفي دون أن ينحني ظهري.
كان لي جسد يسدي لي الولاء وفروض الطاعة، وقلبا مقداما لا يعرف معنى التراجع أو التردد... كل ذلك إلى حين بدأ الزمن يعمل عمله بصمت، حيث أصبح صعود الدرج يتطلب نفسا عميقا كخوض معركة صغيرة، وأصبحت الإبرة تحتاج إلى نظارة، وثمن آخر أدفعه من عظامي لاجتياز الليالي الطوال.
أما المرآة....
فقد كانت تسكنها امرأة أخرى.
امرأة تشبهني إلى حد ما، لكنها لم تكن أنا.
أبعدت خصلات الشيب عن وجهي...لم أرى امرأة عجوزا بل رأيت مقبرة لأحلام لم أبح بها من قبل.
صرت أما وجدة وأصبحت حياتي بين مواعيد وواجبات وانتظار.
في إحدى الأمسيات، رأيت حفيدتي تركض في الحديقة، كانت تتعثر، تسقط
وتنهض مجددا لتركض من جديد.
أردت دون تفكير أن أركض معها... لا أكثر.
لكن ركبتاي أجابتا قبلي وحسمتا الموضوع، فبقيت مكاني واستمرت هي في الركض.
في تلك اللحظة لم يكن ما اشتقت له هو وجهي المشرق ولا نظرات الاعجاب، ولا حتى سنوات الشباب نفسها، بل اشتقت إلى تلك الفتاة التي كان باستطاعتها فعل كل ما تريد دون أن تفاوض جسدها قبلا.
تلك الليلة، واجهت المرأة التي في المرآة، أبعدت خصلات الشيب التي غزت رأسي بالكامل وقلت:
ـ لم أشتق إلى لون شعري...
ثم استدركت، ... كانت تلك كذبة، والحقيقة أنني اشتقت إلى كل ما سبغه الدهر إلى الرمادي:
إلى العنفوان الذي كان يسكن ساقي... إلى الجرأة التي كانت تملأ صدري.
وإلى المرأة التي كانت تنظر إلى مستقبل كأنه طريق طويل، لا كأنه ما تبقى من طريق.
حينها فقط أدركت أن الشيب ليس أول علامات الشيخوخة، بل الراية البيضاء التي يرفعها الجسد بعد حرب طويلة مع الزمن.
أما أنا فها أنا أرفض الاستسلام وأشتاق في سري إلى شعري القديم، الذي كان آخر شاهد على الأيام التي كنت فيها أسرع من التعب، وأقوى من العمر وأجهل أن العجز يمكن أن يتسلل إلى الجسد بهدوء شعرة بيضاء.
