الأربعاء ٢٩ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

أجراس في أقراص

كانت المدينة تتظاهر بالنوم.

في الليل، حين تخفت الأصوات و تختبئ الوجوه خلف النوافذ، تبدأ حكايات أخرى في الظهور... حكايات لا تروى في وضح النهار. و في أحد تلك الأزقة، حيث تتقاطع رائحة الغبار مع صدى الأقدام، كان هناك صوت لا يسمع... لكنه يقرع.
أجراس.

ليس في مئذنة هذه المرة، و لا في كنيسة، بل داخل أقراص صغيرة بيضاء، تمرر من يد إلى أخرى، كأنها مفاتيح لعالم آخر.
كان ياسين يؤمن أن الحياة تضيق كل يوم.

ليس لأنه فقير فقط، و لا لأن الحياة لم تعد تتسع لأحلامه الكبيرة... بل لأن داخله كان ممتلئا بأسئلة لا تجد جوابا. كان يرى أصدقاؤه يضحكون، لكنه لم يكن يعرف لماذا لم يعد يستطيع الضحك مثلهم.

في البيت... كان الصمت سيد الموقف. أمه تتعب بصمت و أبوه غائب رغم حضوره و بين الجدران كان هناك شيء يتأكل... ببطء.

في الخارج... وجد ما يشبه الهروب.

"جرب فقط.... لن تخسر شيئا".

هكذا قال له سامي، و هو يبتسم ابتسامة نصفها شفقة و نصفها خداع.

القرص كان صغيرا... لكن تأثيره كان بحجم الفراغ الذي يسكنه.

ابتلعه.

و في تلك اللحظة، لم يشعر أنه أضاف شيئا إلى جسده... بل كأنه نزع شيئا من روحه.

اختفى القلق، اختفى الخوف، حتى وجه أمه الذي كان يطارده في الليل، صار بعيدا.... بلا ملامح.
ضحك.

ضحك بطريقة لم يضحكها من قبل.

لكن داخل ضحكته، كان هناك صوت خافت.... جرس أول لم ينتبه له.

الإدمان لا يأتي كعاصفة... بل كهمس.

في البداية، كان ياسين يختار متى يتعاطى. ثم، صارت الأقراص هي من تختار متى يحتاجها.

تغيرت الأشياء من حوله... أو ربما هو الذي تغير.

صار يرى العالم كأن عليه غشاء شفافا، الناس يتحركون، يتحدثون، يعيشون... و هو فقط يشاهد، لم يعد جزءا من أي شيء.

حتى الوقت، لم يعد له نفس المعنى.

ساعات تمر كدقائق، و أيام تضيع دون أثر.

و في كل مرة ينتهي مفعول القرص... يعود الألم مضاعفا.

كأن الحياة تعاقبه لأنه حاول الهروب منها.

بدأت الدائرة تضيق.

المال لم يعد يكفي.

الأصدقاء لم يعودوا أصدقاء.

و الجسد... بدأ يحتج.

يداه ترتجفان... قلبه يتسارع بلا سبب، و نوبات خوف مفاجئة تهاجمه كوحش في الظلام.

لكنه رغم ذلك، كان يعود.

ليس لأنه يريد.... بل لأنه لم يعد يملك خيارا أخر.

في إحدى الليالي، جلس أمام المرآة.

نظر إلى نفسه طويلا.

لم يتعرف على ذلك الوجه المنعكس فيما.

عينان غائرتان، بشرة شاحبة، و شيء مكسور خلف النظرة.

من أنت ؟ سأل نفسه.

لكن الإجابة لم تأت.

بدلا من ذلك... سمع الأجراس.

هذه المرة كانت أعلى.

ليس كصوت الأذان الذي كان يطمئنه يوما، بل كإنذار متكرر... حاد... مزعج.

حاول كتمها بقرص آخر.

لكن الأجراس لم تصمت.

بل ازدادت حدة.

في الخارج، كانت الحياة تمضي.

أمه لم تتوقف عن الانتظار.

كانت تراقب الباب كل مساء، كأنها تنتظر أن يعود ابنها...لا جسده فقط.

كانت تعرف.

الأمهات يعرفن، حتى عندما لا يقال شيء.

لكنها لم تكن تملك إلا الدعاء... و الصبر.., و دموعا لا يراها أحد.

الإنهيار لم يكن مفاجئا.

بل كان نتيجة لكل جرس تجاهله.

سقط ياسين في الشارع، بين أيد غريبة ووجوه لا تهتم. جسده استسلم أخيرا بعد حرب طويلة لم يعترف بها أحد.
في تلك اللحظة... حدث شيء غريب.

وسط الظلام، سمع صوتا مختلفا.

ليس جرسا.

بل صمت.

صمت عميق...كأنه فراغ.

و في ذلك الفراغ، ظهرت صورة أمه.

لم تكن تبكي هذه المرة.

كانت تنظر إليه فقط...و كأنها تساله: هل هذا ما أردته؟

فتح عينيه في المستشفى.

الأضواء بيضاء... ساطعة

جسده ثقيل، و روحه أثقل.

بجانبه، كانت أمه.

يدها على يده.

لم تقل شيئا.

لكن تلك اللمسة... كانت كفيلة بأن تعيد كل الأصوات.

الأذان...

الضحك القديم.

و أخيرا...الأجراس.

لكن هذه المرة، لم تكن تحذيرا.

بل كانت دعوة.

التعافي لم يكن قصة عابرة.

كان صراعا يوميا.

جسده يطالب. عقله يساوم، و ذكرياته تهاجمه.

كل يوم كان بمثابة المعركة.

و كل ليلة... كانت اختبارا.

كان يسقط أحيانا... ثم ينهض.

يبكي... ثم يصمت.

يتقدم خطوة.... و يتراجع اثنتين.

لكنه، و لأول مرة... كان يسمع.

يسمع الأجراس قبل أن تتحول إلى سقوط.

بعد شهور، عاد إلى الزقاق.

نفس المكان... نفس الجدران... لكن ليس نفس الشخص.

مر بجانب مجموعة من الشباب.

سمع أحدهم يقول:

"جرب... لن تخسر شيئا"

توقف.

نظر إليهم.

ثم ابتسم... ابتسامة حزينة اختزلت كل المعاناة.

و قال بهدوء:"بل تخسر كل شيء... قبل أن تدرك"

و مضى.

الأجراس لا تختفي.

هي تبقى دائما.

تقرع في لحظات الضعف، و في زوايا الذاكرة، و في كل قرار صغير.

لكن الفرق... أن ياسين تعلم أخيرا كيف يسمعها.

لا كصوت مزعج... بل كإنذار.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى