السبت ٢٥ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم عائشة التركي

«أبي ليس في البيت» لحامد عبيد ناصر

أقصوصة "أبي ليس في البيت" هو العنوان الفرعي لعنوان أكبر هو الإشارة الثانية ضمن المجموعة القصصية "إشارات" وهي منجز حامد عبيد ناصر الكاتب العراقي الذي له كتابات منها رواية "عدالة اكسباير". ولأن العنوانين ليست اعتباطية ويقصد إليها قصدا إما لتكون أمارة عامة تشي بالمحتوى أو أن ترمز لدلالة معينة هي غاية الكاتب من نصه والاحتمالات كثيرة في هذا الباب .فلمَ اختار الكاتب عنوانين اثنين وانزاح عن المألوف؟ عنوانان واحد عام مبهم في ظاهره ،هو مركب نعتي "الإشارة الثانية" والثاني جملة كاملة مكتملة المعنى "أبي ليس في البيت" ؟فما العلاقة بين العنوانين؟ وما القصد من الجمعه بين الابهام والتوضيح؟

1 ـ الإخبار أو "الإشارة الثانية"

الظاهر في سطح العبارة أنها دلالة على موقع تراتبي تقع الأقصوصة فيه في مرتبة ثانية بعد أخرى سبقتها وهذا على بداهته الظاهرة ينطوي على مقصد ما أراده الكاتب من أقاصيصه التي رتبها على ما يظهر حسب أهمية ما يودّ تبليغه لقارئه ترتيبا يحمّل كل إشارة طاقة رمزية ودلالية هي استدعاء لمقاربة تحليلية إما أن يوافقه القارئ على مرتبتها أو ان يحوّر منزلتها في صلب المجموعة القصصية .وأكثر من ذلك عليه أن يقرأ قراءة واعية تحمله على التساؤل .فالإشارة لغة تعني" الإيماء والتلويح بما يفهم منه المراد كالإشارة باليد أو بالعين "1 فإلمَ يشير العنوان؟ وإلامَ يُلوّح؟ وما الذي يدعو الكاتب للتلويح والتلميح والغمز ...مادامت الكتابة ممكنة والفكرة متاحة؟

الإجابة طرحها الكاتب حامد عبيد ناصر في مقدمة مجموعته القصصية وهو يتوجّه مباشرة إلى قارئ مفترض مبينا الغاية من الإشارة والانزياح إلى التلميح " هاهنا يا صديقي كومة صغيرة من القصص أسميتها إشارات أخفيت فيها بعضا من أفكاري ...ولم أذكرها تصريحا.. فاقرأها وحاول أن تدرك المغزى منها"2

إن كل "إشارة" تنطوي على "مراوغة وترجمة موجزة لتجربة طويلة معقدة" 3 وهي في الآن نفسه ضرورة اقتضاها واقع يصادر حرية التعبير ويدين الفكرة الحرة والكلمة المسؤولة .إن الكاتب يجازف بحياته دفاعا عن الحرية ويخاتل سلطة قامعة وهو العليم بأن في "التوضيح خطورة"4. إن توخي الإشارة أسلوبا للتقية والتخفي لم يأت به الكاتب إلا لأن "الجو ملبد بغيوم التطرف وقمع الأفكار الجديدة"5 من هنا لم تكن الإشارة حاجة فنية وخيارا أسلوبيا وهي لا تقف عند حدود الخيار الذي يعطي عمقا ويوسع الدلالة ويضفي جمالية على المقروء فقط. وإنما هي حماية للفكرة ولصاحبها من المصادرة والمحق.. وهي تبصير للمتلقي ورفع لدرجة وعيه فإن كان للكاتب رسالة يراوغ لإيصالها ويتكبد المشاقّ.. فإن على عاتق القارئ تقع مسؤولية تلقفها وانقاذها من التلف "نعم أنا أخفي شيئا ما في كل نص من نصوصي فاتعب دماغك قليلا يا صاحبي وابحث عما أشير إليه، واعلم أن بحثك عما أشير إليه يستحق الجهد والعناء "6.

والرمزية عموما كخيار فني لها مساران إما أن تكون موغلة في الغموض مُغلّقة المعاني فيعسر على بعض القراء تناول معانيها وإدراك مقاصدها " إن الغموض المسرف الذي يلجأ إليه بعض الأدباء المعاصرين باسم الرمز يقطع حبال الصلة بين المبدع والجمهور ويُحوّل الأدب إلى لغز مغلق " 7 أو أن تكون مراعية إمكانيات كل القراء على اختلافهم فينزع فيها الكاتب إلى تجميل النص ببعض الغموض والإيهام ويبطن مقاصده بغلالة خفيفة من الترميز لأن "الرمز يحرر النفس من إطار المنطق الجامد وبذلك يُصبح قادرا على اكتشاف المناطق القائمة في النفس..."8 وهو حال هذه الأقصوصة التي جاء عنوانها الفرعي أو البديل" أبي ليس في البيت " لتكون هي المشار إليه وما يودّ الكاتب لفت الانتباه إليه عبر أحداث وشخصيات ... فما دلالة هذا العنوان؟ وما علاقة العنوانين ببعضهما بعضا؟

2ـ الاعتبار

أ ـ"أبي ليس في البيت"

عنوان شديد الوضوح تصدّر الأب فيه الجملة فكان هو المبتدأ وبداية الحكي أما الخبر فكان إخبارا عن غياب ونفي لوجوده وخلاء للبيت منه. وما الأقصوصة إلا تمظهرات لمنزلة الأب في حياة الابن ونتائج لغيابه عن البيت.

يسير النص على وتيرتين مختلفتين وتتقدم الأحداث بسرعتين متفاوتتين يبرز فيهما السارد مخاتلا متلاعبا يسعى لإغراق القارئ في قصة مؤثرة بطلها طفل يعيش مع أم مدقعة الفقر ومتهمة في شرفها ،غير أنها تمتلك الوعي بأن من الضروري أن تحافظ على صورة الأب في مخيال ابنها حتى لا ينشأ مختل الهوية .وتنتهي الأقصوصة نهاية مؤلمة باغتصاب الدواعش للأم تحت أنظار ابنها أثناء غزوهم للقرية وقطعهم رأسها .ولكن السارد وإن أفلح في شدّ انتباه القارئ عبر التشويق الذي يثير في نفس المتلقي كتلا من المشاعر المتراكمة القائمة على التعاطف والغضب .. فإنه بنى الأقصوصة وبالشكل الذي بُنيت عليه فيه تكسير لهذا التماهي فيعيد القارئ إلى ما نبهه إليه في المقدمة من أن عليه أن يكشف الخفي من المقاصد وألا يظلّ على سطح المعنى واقفا متعاطفا بل عليه أن ينتصح ب "إشارة " الكاتب "فأتعب دماغك ...وابحث عما أشير إليه
" 9

والسؤال الذي يطرح نفسه ماهي الإشارات الفنية التي كانت علامات مضيئة تنير درب القارئ إلى المعاني الثواني في الأقصوصة وهي التي أراد منا الكاتب أن ندركها؟ وما مدى حضور الأبعاد الرمزية فيها

ب ـ رمزية الأب: بين الحضور والغياب

الشخصية هي مركز الثقل في العمل القصصي لأنها تنهض بالأحداث وتترجم الأفكار المراد إبلاغها غير أنها في هذه الأقصوصة تباغت القارئ وتعترض طريقه في كل فقرة فإذا شخصية الأب هي الأكثر حضورا والأقل فعلا. هذا هوأب حكاية، أقوال تنعدم منها الأفعال، فهو يظهر في الخطاب ويختفي في الخبر. قدمه السارد من زوايا عديدة على لسان الأم التي تتحول إلى سارد من درجة ثانية تروي قصص الأب وترسم ملامحه التي يتولى الطفل نقلها للقارئ ،صورة تنتقل على الألسنة كالخرفات وكل قائل يسبغ عليها من ذاته فتتعاظم ليصبح الأب كبطل من أبطال الأولمب، كمالا جسديا ومكانة عالية "فقد احتفظت بتفاصيل جميلة أخرى عن أبي فهو كما صورته أمي مفتول العضلات قوي يهابه الجميع"(الأقصوصة).

فارتسمت صورته في ذهن ابنه بالطريقة نفسها التي ارتسمت في ذهن القارئ .وقد عمّق الكاتب صورة الأب متكئا على جملة من الصفات فهو الزوج الحنون والرجل المسؤول... غير أن بعض الإشارات التي تتسلل من حوار الطفل الباطني تشككنا في الوجود الأب الفعلي "لم أشاهد يوما صورة أبي إلا تلك التي رسمتها في أوهامي "(الأقصوصة) .وإن كان لهذا الوهم الأثر الإيجابي في حياة الأم والطفل "هي لا تمل من تكرار ذات القصص وأنا لا أكتفي من سماعها ...سلوى حياتنا التي نحياها في بيتنا الصموت الكئيب "(الأقصوصة) فإن للإيهام بوجود الأب وجودا فعليا وحقيقيا الأثر الفعّال في سير الأحداث "حكايات أمي...عن أبي كانت تنسيني الإحساس بأي شيء آخر وتخدّرني فكأنها تلقي حكايتها عن أبي لتنوّمني مغناطسيا لتنسيني قبح الواقع وسطوته وشراسته "(الأقصوصة).

ومن الإشارات النصية التي تقف نقيضا لقناعة الطفل بوجود الأب وتزرع الشك في الأذهان وفي إمكان وجوده فتخرجه من دائرة الشخصية "الحقيقية" إلى دائرة الشخصية رمزية هي عبارات ك" لم يحصل أن التقيته أبدا" (الأقصوصة) "لم أشاهده وكنت قد افترضت أنه لا بد سيعود يوما " (الأقصوصة) وهي جمل تكشف صراعا نفسيا وتمزقا بين التصديق والإنكار وتعبّر عن منزلة الأب والحاجة إلى وجوده في المستوى الواقعي ولكن ترتقي بالفكرة لتتجاوز المعيش فيصير الأب رمزا و"الرمز السردي ليس زينة تضاف إلى المتن بل هو آلية انتاج دلالة موازية تنقذ النص من رتابة الواقعي وتمنحه عمقا أسطوريا أو فلسفيا "10 وتتوسع الدلالة فيكون الأب بما رُسم له من ملامح جسدية ونفسية ..وعبر انتظارات الأم وتوقعات الابن خاصة رمزا للبطل المخلّص وللأمل الذي يُعوّل عليه لتغيير الواقع "كلما احتجت شيئا أو شعرت بنقص تذكرت أبي " (الأقصوصة)وهو صمّام الأمان " أي طفل آخر في هذا

العالم المترامي الأطراف سيشعر بالطمأنينة بوجود أب كهذا"(الأقصوصة)

وما يعمق أبعاد الأب الرمزية في الأقصوصة هي السوابق السردية فقد سرّب السارد إلى القارئ أن الطفل بلا أب حين كانت الأم تُتهم من الجارات في عِرضها وفي نسب ابنها. وقد سمع الطفل ذلك.

ولإثراء الرمز في الاقصوصة والنأي بدلالاته عن واقعية جسدتها الأحداث بدقة سعى الكاتب إلى إعادة عبارات تختلف قليلا في ملفوظها ولكنها تدور حول فكرة نفسها وهي الاستنجاد بالأب "أحتاج إليه الان وليس في المستقبل "(الأقصوصة) هذا الاستنجاد الذي تغلغل في مفاصل النص وصاحبنا حتى نهاية الأقصوصة. وحين تسارعت الأحداث مع مجيء "مجموعة الأشرار يلبسون ثيابا سودا وانهم سوف يدخلون المدينة ويقطعون رؤوس الناس وان جيش الحكومة قد هرب"(الأقصوصة). و اقتحموا البيت واغتصبوا الأم وقطعوا رأسها "ومن مخبئي شاهدت وجه أمي وكان أبي قد اختفى منه مثل حلم أو طيف وحلت محلّه صورة مخيفة متحجرة للواقع القاسي المر"(الأقصوصة).

ج ـ رمزية الأم

كلما تصاعدت الأحداث وتوتّرت اشتدت الحاجة أكثر إلى وجود المنقذ والبطل المخلّص في الأقصوصة فيقابل هذا التسارع المأساوي وتباطؤ الأب في الحضور ضمور صورته واهتزاز رمزيتها رغم الآمال المعلقة عليه والتي لم تفتر أبدا لتكون لحظة التنوير في الأقصوصة انهيار الأمل تماما في وجود بطل مخلّص وانتفائه "بعد كل الذي حصل فقد تأكدت بأنه أبي ليس في البيت "(الأقصوصة).

إن البعد الرمزي في الأقصوصة وإن تركّز أكثر ما تركز في شخصية الأب إلا أن القارئ يجد لشخصية الأم بعدا ينأى بها هي الأخرى عن صورة الأم في الواقع ويضيف لها توسعة دلالية لأن "الرمز في السرد الحديث لم يعد إشارة عابرة بل غدا شبكة دلالية منسوجة بعناية تنمو مع نمو الحدث وتتطور بتطور الشخصيات لتعيد صياغة الواقع بجمالية إيحائية "11.

إن شخصية الأم التي جاءت بلا اسم ولا سن في الأقصوصة لنجدها ربما في بعد من أبعادها تحتضن صورة وطن يفرّ جيشه الحكومي ويتركه نهبا للمجرمين ...هي وطن حاول أن يحمي أبناءه ويُحيي فيهم الأمل في الغد مشرق وفي بطل له من الفضائل والقدرات ما به ينقذ الجميع، هي وطن اتّهمه أجواره ،وصرخ فلم يُغثه مغيث، ومع ذلك مثّلت الإصرار والسعي المتواصلين لرعاية من هو في كفالتها.

ولكن الكاتب في خيار فني مقصود أغلق أفق كل أمل زرعته الأم الوطن .وطرحها أرضا مغتصَبة وقتيلة ليُبقيَ على ابنها وقد تيقّن "إنني لم أفقد أمي فحسب بل فقدت كذلك الأمل الذي يجعلني أحيا وسط كل هذه القسوة". وكأن مرارة الواقع وتشعبه وانعدام البطل الفذ الذي يمكن أن يقود الوطن إلى برّ الأمان هي من شكّلت نفسية الكاتب وأثّرت في اختياراته لحكي حزين محزن ونهاية تراجيدية كهذه.

على سبيل الخاتمة

تآلف في الأقصوصة تياران أدبيان الواقعي والرمزي فقد برزا في الجمع بين الاختبار وهو كشف الواقع بتجلياته الحزينة والاعتبار وهو هذه الإشارات الرمزية المضمنة في دلالة الشخصيات وإطلاقية المكان والزمان وخفايا الملفوظ ..ليرتقي الكاتب بمنجزه من التجريب إلى التجريد ومن المحلي المعيش إلى الإنساني المطلق ليبصر القارئ بما يدور حوله

المراجع

1 ـالمعجم الوسيط .مادة أشار
2ـمن مقدمة المجموعة القصصية إشارات
3ـ المصدر السابق
4ـ المصدر السابق
5 ـ المصدر السابق
6ـ المصدر السابق
7ـ طه حسين خصام ونقد: من مقال غموض الأدب.ص 75
8ـ د.محمد فتوح أحمد :الرمز والرمزية في الشعر العربي المعاصر .دار المعارف ص69
9 ـ من مقدمة المجموعة القصصية إشارات
10 ـد.عبد الله إبراهيم : المتخييل السردي
11 ـ صلاح فضل :بلاغة وعلم النص.سلسلة عالم المعرفة


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى