الثلاثاء ١٩ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم الهادي عرجون

وطن الشاعر وشعرية الوطن

(صورة يابسة للماء) نموذجا للشاعر السوري لهام حبوب

في البدء لم يشعر بمرارة وحدته، ولم يحزن على ما فات، ولم يفرح أمّا الآن وبعد ما تعاقب على جسد الوطن العربي من هموم وهّزّات سياسية وحروب وغربة داخل الوطن، وما يحمله الواقع المر من أحداث وآلام متلاحقة تنخر جسد الوطن العربي عموما ووطنه سورية خصوصا، بعدما كان هم الوطن العربي هي فلسطين المحتلة، حين تتولد البسمات من عبراته يناجي وطنا يهفو إليه، ليكون جسمه دمشق وقلبه آخر المدن لتجتمع هموم الشاعر لهام حبوب في قبسات من نور الكلم يطرحها كنمارق مفروشة على صفحات مجموعته الشعرية الأولى التي اتخذ لها من الأسماء "صورة يابسة للماء" الصادرة عن منشورات دائرة الثقافة الشارقة سنة 2024، والملفت للنظر في نصوص الشاعر التي تعبق برائحة الشعر و نبيذ الكلمات ليعلو الصوت الشعري الغاضب والصراخ في وجه الوحدة والغربة والظلم، حين يعزف على أوتار الحزن، فيضيق الوطن بهمومه ليكون البديل اتساع الكلمة وانفتاحها.

حيث تتجلى الخصائص الفنية للديوان في أغلب نصوصه في وحدة الموضوع وتنويعاته وتكامل بنائه العضوي والفنّي رغم وجود بعض القصائد المركبة التي تعكس الحالة الواقعية التي يعيشها الشاعر من غربة وحزن على وطنه سورية، حين يحاصرنا بنمطية فرضتها الضرورة التاريخية للأحداث منذ بدء ما يسمى بالربيع العربي إلى خراب وطنه، لتكون الصورة أكثر مباشرة وأقدر على التعبير في حالته النفسية ووجدانه الخاص.

حين يعيدنا الشاعر لهام حبوب إلى التشكيلات الجمالية على طول المقاطع الشعرية في الديوان فيتجلى تضخم الـ: أنا والـ: هي ( الوطن) وصراعهما تارة وتآلفهما تارة أخرى.

وقد استعمل الشاعر في إبراز أحاسيسه والتعبير عما يختلج في نفسيته أسلوب التكرار الذي يعد من الأسس الأسلوبية التي تعمل على التماثل في النص الشعري خاصة وأنه يساهم في تمتين وحدة النص وتماسكه بالإضافة إلى أنه مرتبط بالحالة النفسية للشاعر بشكل مباشر والذي يظهر من خلال تكرار جملة من المفردات والجمل في القصيدة الواحدة أكثر من مرة، كما يساهم في مزيد إيضاح المعنى قبل الإيقاع. كما أن للتكرار دور كبير في التعبير عما يختلج في ذات الشاعر من مشاعرالحزن والقلق الوجودي، لتتناسق وتجتمع الأغراض الشعرية في قصيدة أحيانا بطريقة سلسة وبانسيابية مدهشة. فالشاعر يعبر من خلال نصوصه عن خوالج النفس وعن تجربة ذاتية، وفي الآن ذاته يعبر عن تجارب وأحاسيس كل غريب عن وطنه.

"لأنني من بلاد
لا ولادةَ لي فيها
ولا من حنينٍ لي إلى سكنِ
فلم أزل مطلقا يحيا لمطلقه
جسمي البلاد
وقلبي آخر المدنِ
حتى إذا طرت
لم أترك لأجنحتي ظلًّا على الأرض
كي أهفو إلى وطنِ" (ص51/52).

وهو أسلوب متعمّد في الديوان والإيقاع السريع للألفاظ والكلمات مع كثافة الصور بالإضافة إلى تكرار عدد من الكلمات اعتمدها الشاعر، والتي تحرك في داخلنا تلك الاستجابات المختزلة والدلالات التي من شأنها أن تظللنا بسحابة سوداء قاتمة انعكست على مختلف نصوص (صورة يابسة للماء)، فبدا معجم الحزن والقلق الشعري طاغيين مع وجود فرصة لاستعادة النبض والتقاط الأنفاس كلما أغرقنا الشاعر في الشجن المعجون بمسحة الأمل ليستعيد نبضه وأنفاسه في بعض النصوص، كأن الشاعر هنا يبحث عن لحظة اقتناص الأمل والانعتاق.

فعندما نتعامل مع أنا الشاعر في المجموعة الشعرية صورة يابسة للماء، لا نتعامل معها كونها أنا مفردة مفرغة من كل معانيها ودلالاتها وأنها تمثل الحزن والغربة والحنين المسيطر على فؤاد الشاعر لهام حبوب فالأنا لم تكن فردية ذاتية بقدر ما هي انعكاس لذات الشاعر وأحاسيسه تجاه وطنه وما يدعو إليه، فالشاعر يحاول أن يضعنا أمام حقيقة إحساسه بهذا الوطن في ذاته وانعكاس لما يمر به الوطن، فهو يعكس لنا حالة واقعية يجسدها تارة ويخفيها تارة أخرى في طيات النص.

فقصائد الشاعر لهام حبوب من خلال مجموعته الشعرية صورة يابسة للماء، هي صورة لانتصار الذات وانعتاقها والصراع الداخلي الذي تحمله النصوص فالشاعر في نصوصه تتجلى لنا صلة الماضي بالمستقبل ويتواصل مع الوطن ليسابقه فيسبقه أحيانا ويقتله أحيانا أخرى كلما سكرت أنا الشاعر بالكلمات واغتاله الحزن.

لتصبح القصيدة عند الشاعر هوية قولية يرتب معانيها ويخط تفاصيلها منذ طفولته ليكتمل النص وينضج على لهب الذكريات. فالتذكر لم يكن استرجاعا ولا استعادة عفوية لصور مترسبة في ثنايا الذاكرة أو في ذاكرة طفل يحمل ذلك الزخم من المشاعر المدفونة.

"وكأني
بزوايا الصور الملقاة بقبو الروح
شريط أسودْ
أو أني حول رقاب الذكرى
للذكرى مسدُ" (ص17).

كما نلاحظ أن الشاعر اعتمد على مع معجم الوحدة وهو ما نراه في تكرار عدد من الكلمات بمختلف اشتقاقاتها اللفظية كـ: وحدي /وحيدا / الوحدة / أحد، و الوحدة هي مواجهة الذات الشاعرة للوصول إلى جوهر كينونة الشعر، لتنطلق الذات في رحاب المطلق لتكتشف حقيقة وجودها البشري.

"الوحدة
آخر صوت يُسمع من تقبيل دلاء الحب
لقاع القلب
ليرجع ميتا منسيا
من غير عزاءْ" (ص13).

وإزاء ذلك فإننا نعدُّ تجربة كتابة القصيدة هي فضاء يمارس فيه الشاعر وحدته وعزلته الكاملة عبر مواجهة الذات لاستنطاقها والكشف عن التجربة الشعورية إزاء الذات أو الموضوع.

"وحيدا...
معي قلبي وبضع سجائرِ
لها نفَسي إذ يعبر الشوق خاطري" (ص9).

فالوحدة والعزلة كما يشير آرنست همنغواي إلى أن ابتعادنا عن البشر لا يعني كرهاً أو تغيراً، العزلة وطن للأرواح المتعبة، ففي الشعر فقط يرتكب الشعراء الوحدة مع كثير من الحزن أو الفرح أيضًا.

"وتغرب لي الأفراح
من كل مغربٍ
وتشرق لي الأحزان
من كل مشرقِ" (ص30).

وفي الشعر، يتكشف المجهول الساكن أبدًا في طفولة تمهد لتشكيل الوعي الإنساني، لتسود القصائد لمحة سوداوية تشي بالخذلان والحزن والنزاعات الداخلية التي تسير في داخل الذات الشاعرة لتتجلى في معان ودلالات مختلفة.

"يا طفلي
سال حنين النور على وجناتك
فانهض من زاوية العمر
مضيئا
يا روحي المنسية
في الضوء الحالك" (ص43).

هكذا هو الشعر مسافة صفر بين الأنا والأنا، حلم يعود من الماضي ويخولنا الاطلاع على ما رمته ذاكرتنا ذات طفولة عجز الجميع عن فهمها سوى طفل تمرد بفعل القسوة، أو الفقد والخسارة، ثم وجد نفسه كمن يقفز فوق السنوات ليبلغ أعمارًا وأعمارًا من الاختبارات. هكذا هو الشعر كوة عميقة منفتحة منغلقة في الروح، كائن عصي على التعبير، عصي على الكتمان، ولغة بألف رمز.

وبما أن الطفولة هي المهد الأول للخبرات والتجارب الحياتية فإنها المخزون الأوفر والأكثر سعة للذاكرة الإنسانية عموما. فالذكريات الطفولية التي تراوده مرة تلو أخرى تتكون في داخله في شكل قبسات شعرية وومضات لتخرج شعرا عذبا وصورا تذكارية لها دلالاتها في النص الشعري.

"وفي مهب الظما
سال السراب على جفن الشفاه
فسال الدمع مجتمرا
مشردا في بيوت الشعر
أهدمها
وهي التي شيدتني طفلها القدرا" (ص24).

فالكلمات عند الشاعر تتجسد بصدق في زمن الوعي بالذات حين تتجلى في زمن الكتابة من خلال اعتماده على رموزه وأشكال بنائه التي تصبّ في نهر القصيدة ليبرز التأثير السحري والبصري وهو ما يكشف خطوط المعنى بين ذاكرة الكتابة وذاكرة الصورة، ليصبح الشعر أداة للتعبير عن المعاناة والتجربة الحقيقية،

فجاء القلق شعرا وأصبحت الغربة كلمة، عندما تسري محبة الوطن كالشعر في انسيابه وتكون الغربة نشوة مغسولة بنهر الكلمات، فلا طبيب يسعه أن رتق جرح الشاعر سوى القصائد التي طوّع إيقاعها الداخلي بما يوافق حالته ونفسيته وما يحسّ به تجاه هذا الوطن ويعانيه من اضطرابات وأهوال وأحزان، ويظهر ذلك من خلال تكرار ثيمة (الشعر) بكل ما فيها من اشتقاقات (الشاعر، الشعر، الشعراء، الأشعار)، بالإضافة إلى تكرار ثيمة (القصيدة) بكل ما فيها من اشتقاقات (قصائدي، قصيدة، القصائد)، ويظهر ذلك من خلال قوله:

"هو أعمق الشعراء
كل قصيدة تمضي إليه
وليس يمضي نحوها
ليعيش فيه الشعر أقصاه
ويحيا مر قافية الحياة وحلوها
يكويه جفن الشاردات ودمعها
عبر الفناء المحض يحذو حذوها
كالأم يحتضن القصيدة
لم يزل شغفا يعلمها بحب حبوها" (ص73/74).

ليختلط عند الشاعر لهام حبوب جرح الشعر والكلمة بجرح الوطن لتضيء القصيدة من رحم الألم والوجع، فالشعر عنده مغامرة كبرى مرتبطة بسلسلة من الأحداث تساهم في سيرورة فعل الكتابة وانعتاقها.

وفي الختام يمكن القول إنّ المجموعة الشعرية "صورة يابسة للماء" هي صورة لصراع الذات مع الذات، وهي صراع داخلي تحمله النصوص بعبقها وانعتاقها فالقلق الشعري يملأ مفاصل النصوص ليغتال حزن الشاعر الذي يحمل عبء القصائد يطوف حول كعبة الشعر روحا وجسدا وهو المشرد في بيوت الشعر، ينتقل من نص إلى نص الذي يحمل همومه لحظة الكتابة وهموم النص التي هي بالأساس هموم جماعية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى