الثلاثاء ٧ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم ادور مولود

نزيف الزُّلال

على منحنى جبال باني، تقع واحتُنا؛ وهي ذاتُ نخيلٍ باسقٍ، لا يشبه أيَّ نخيل، وأشجارٍ مثمرةٍ، كالرمان والعنب والتين والزيتون، تجعل كلَّ وافدٍ إليها مسحورًا بحسنها، وبداعة تصميمها، وخضرتها، وطيبة أهلها.

أرسى قواعدها، في زمنٍ سحيق، رجلٌ مجذوبٌ، غيرُ معروفةٍ أرومتُه؛ أهو من تنبكتو، أم من التوات، أم من جبل درن؟ التقى، صدفةً، بثلاثة فتيةٍ أشداء، أقوياء البنية، من شداد الآفاق، استوطنوا الرقوق المحاذية للجبل، وكانوا يعيشون على صيد الغزلان والوِدَان.

فرحَّب الفتية الثلاثة بالمجذوب، وأولموا له من صيدهم، فأُعجب بحسن تصرفهم وكرم ضيافتهم، وقال لهم إنه رأى في المنام أن الأرض التي سيطعم فيها لحم الغزل ستصبح جنةً على الأرض، تؤوي كلَّ من فرَّ من برد الشمال وقيظ الصحراء.

وبعد مرور قرونٍ عديدة، وبعد جهدٍ جهيد، تحوَّل المكان إلى قبلةٍ لكلِّ من يسعى إلى الاستقرار، فحفروا الخطارات، وهيؤوا المجال، وحرثوا الأرض، وغرسوا الأشجار.

وساد الهدوء في الواحة، وهنئ العباد بعيشٍ رغيد، وتناسلوا فيما بينهم من دون تمييز، وكانوا يعملون دائمًا بـ«تويزي» في أمور الحرث، وشؤون البيدر، وتنقية الخطارات والسواقي. وكانوا يتبادلون العطايا؛ فيهب ذو صنعة الضرع اللبن واللحوم لذي صنعة الزرع، ويهبه ذو صنعة الزرع الحبوب والخضر والثمار.

لكن، ما إن خيَّم ظلام الاستعمار، بحداثته الفتاكة ومصابيحه المزوَّرة، على الواحة، حتى جار الزمان على أهلها بعد عزٍّ وجاه.

إذ بادرت السلطة الطارئة على البلاد إلى تعيين الحاج عيسى شيخًا على الواحة. وكان قد اكتسب هذا اللقب بعد زيارته مكة، وهو الحبل الوحيد الذي كان يربطه بدين العامة. وكان من نسلٍ دخيل؛ جاء أبوه إلى الواحة، فاستقبلته بأحضانها، كما هو شأنها مع جميع الوافدين. وادعى أنه من أصلٍ نبيل، وكانت له خبرة في معاشرة النصارى بالجزائر، حيث كان يعمل في بيوتهم، فتعلَّم شيئًا من لغة الإفرنج وسلوكهم.

وبدأ يساعد الأغراب على استتباب الأمن، وقضم خيرات البلاد، ومقابل ذلك منحوه الصولجان، وسلطة التدبير، وفصل النزاعات.

ومن جملة الإجراءات التي قام بها إعادة توزيع روح الواحة، وهو الزُّلال، الذي يقدسه الحيوان قبل الإنسان.

فأنعم على المتزلفين الكسالى بحصص الأسد، وجرَّد ذوي الأصول الضاربة في القدم من حصصهم من العين الساهرة على حماية الواحة، بعبادها ووحوشها وطيورها.

وفي اليوم الموالي، وما إن أطلَّ نور القرص الساطع، حتى خرج عبد الله من منزله، كعادته، حاملًا معوله، وفرسه إلى جانبه، لا تفارق ظلَّه؛ فإذا داعبها أحسَّ بها كما تحسُّ به.

وكان طويل القامة، مفتول العضلات، يعمل نهارًا في تقليب الأرض، وتقليم النخيل، وريِّ الحقول ليلًا. وكانت له علاقة متينة بجميع أبناء الواحة، وكانوا يحبونه لروحه المرحة، إذ كان يساعد الضعفاء من القوم، ويجتهد في تيسير الصعاب عليهم. وحتى بهائمه وبهائم جيرانه كانت تتودد إليه. وكان يبذل كل هذا الجهد من أجل أبيه، «دا جامع»، الشيخ الطاعن في السن، المخلص في طاعة الله، من غير ألقاب ولا رياء.

فوجد جمعًا من أهل الواحة يعلو القلق محياهم، فسأل صديقه فرجًا:

ما الأمر؟

فأجابه، وهو يتمتم:

إنه عيسى اللعين؛ أعاد توزيع ماء العين، وأغدقه على النصارى والمقرَّبين.

فجنَّ جنون عبد الله، وأخذ يتنفس بصعوبة، وكاد قلبه الصافي ينفجر، وقال:

هل سيذهب عملي وروحي أدراج الرياح؟ آهٍ على أبي، كيف سيستقبل الخبر!
فقال السي محمد، إمام الواحة:
كفى كلامًا، هيا بنا إلى الشيخ عيسى؛ فالحوار من الفضائل.

فتوجَّه المحرومون إلى قصر الشيخ الحاج عيسى، وكانوا عُزَّلًا، لا يحملون سوى حناجرهم، وعلى رأسهم عبد الله.

وقبل أن يستمع إليهم عيسى، قال له رقيبُ العسكر الإفرنجي بلغتهم:

إنها ثورة تُحاك ضدك، فماذا نحن فاعلون؟

فقال الشيخ عيسى:

اقتلوا الصغير قبل الكبير، فلا فائدة تُرجى منهم.

فقمعوا احتجاجهم باستعمال الأسلحة النارية، وكان ضحية هذا الاعتداء الشنيع الشاب عبد الله.

انهار عبد الله بعدما اخترقت رصاصةٌ طائشة صدره العاري، وسقت دماؤه الأرض التي كان يرويها بالزُّلال. فصرخت خالته زيدا صرخةً عجز صدى جبل باني عن تقليدها، وتجمد الرجال في أماكنهم من شدة الذهول. ولم يحاول إيقاف شلال الدم المتدفق من صدر عبد الله سوى فرج، وهو يقول:

يا عبد الله، يا نور عيني، لمن ستتركني؟

وأطلقت فرسه صهيلًا عاليًا حين رأت صاحبها مجندلًا على الأرض، وانهمرت الدموع من عينيها الواسعتين.

وجاء السي محمد، وحاول أن يغمض عيني عبد الله، الذي ألقى نظرته الأخيرة على هذا الكون الفاني، وقال:

إن مات عبد الله، فلا يجب أن تموت العين.

ثم طارت روحه.

ورحل عبد الله مودعًا النخيل، الذي بات لونه مصفرًا، والهواء، الذي أضحى مكهربًا كئيبًا. أما معين الواحة، روحها النابضة، فقد استحال ماؤه في ذلك اليوم المشؤوم إلى جمرٍ سائل.

وجاءت الوفود من أمصار شتى لتعزية دا جامع في فقدان ابنه الوحيد، فشكرهم على حسن التعزية، وسأل الله أن يعشر خطواتهم، ثم قال لهم في فناء منزله:

مات عبد الله، ولكن العين لم تمت، فعلينا أن نجاهد من أجلها، وإلا تحولت هذه الواحة إلى كومة من الرماد.

وبعد أن فرغ الناس من التعزية، خرجوا مرة أخرى إلى الساحة التي صُرع فيها عبد الله، وكانت عبارات الحزن والشقاء باديةً على وجوههم الشاحبة، ودماؤه الزكية لم تجف بعد.

وقف الشيخ الحاج عيسى على شرفة منزله، وإلى جانبه جنود الاستعمار وأعوانهم من أهل البلد، مدججين بالسلاح وعشق القتل. وأخذ يتفحص وجوه الناس واحدًا واحدًا، كأنه يريد أن يختار الكبش الثاني ليهديه قربانًا لأسياده.

ثم رفع صوته الجهوري، وقال:

يا أيها الناس، اسمعوا وعوا، فهذا الكلام لن يُقال مرة أخرى.

فخرجت زيدا وحدها من بين الجمع، وهي المرأة الثكلى، خالة عبد الله، وقالت:

بأي حق، أيها الخسيس، تأخذ روحنا وأرواح أبنائنا؟

فأشار الشيخ عيسى إلى أصحاب البنادق، فأطلقوا الرصاص في الهواء لترويع الحاضرين.

فأمسك ابن زيدا بيد أمه وأخفاها عن الأنظار، وهي تقول:

حسبي الله ونعم الوكيل... الله سيأخذ الحق منكم، يا قتلة.

واستمر الشيخ عيسى في خطبته، وقال:

هذا زماني، وزمان من يريد أن نصبح لائقين بالعصر. عليكم باحترام الشريعة الجديدة، فهي التي ستنتشلكم من الوحل. أما ماء العين، فسيوفر فرصًا للعمل لكل من يسعى إلى التخلص من العوز.

وكان يتحدث، وعيناه تحمران شيئًا فشيئًا، حتى غدتا كموقدي نار في وجه شديد البياض، ينبعث منه الموت.

ثم أكمل قائلًا:

كل من أعيته الحياة، فأنا من سيكون سببًا في راحته. فانصرفوا، وإلا أحرقتكم جهنم التي تخرج من هذه البنادق.

فتشتت أهل الواحة، خوفًا على أرواحهم، بعدما رأوا عزم الفناء في عيني الحاج عيسى.

وبلغ النبأ دا جامع، فحزن حزنًا شديدًا، حتى أقعده الفراش عدة أشهر. ولم يعد يزوره إلا فرج، يقدم له الطعام، ويغسل ثيابه بين الفينة والأخرى، وفاءً لصدق صديقه عبد الله. أما أهل الواحة، فقد تبرموا منه، خوفًا وخشيةً من الشيخ الحاج عيسى.

فاعتزل دا جامع أهل الواحة، وصام عن الكلام، بعدما كان شيخًا بشوشًا، يؤنس كل عابر سبيل. وأخذ يقضي جل أوقاته على قمة باني، الإله الساهر على أمن البلاد والعباد، يبلغها بشق الأنفس، ويبكي فيها فقدان ابنه الوحيد، وضياع حصته من روح الواحة.

وكان، كلما عاد منها، يصرخ كالمجذوب الذي استولى عليه الوجد، قائلًا إن روح عبد الله ودماءه ستحولان عين الواحة من رحمةٍ لأهلها وبهائمها وأشجارها إلى عينٍ تسقيهم الموت والجفاف. وفي كل صلاةٍ وقيام، كان يرجو الله أن يأخذ بثأره من الشيخ الحاج عيسى، وسوقة الواحة.

وفي يوم من الأيام، دخل عليه فرج في بيته، فوجده قد ارتقى إلى السماء مبتسمًا، كأن العرش استقبله بكل حبور، وقد استجاب الله لدعواته.

فبكاه الصغير والكبير، ودفنوه بما يليق بشيخٍ محب لوطنه.

ولم تمضِ أربعون يومًا على وفاته حتى قلَّ ماء العين، وبدأ يحمرُّ من جديد، وأصيب النخيل بمرضٍ عضال، وبدأت أوراق الأشجار تتساقط من غير سابق إنذار.

ثم اندلعت حرائق جمَّة في الواحة، ذهب ضحيتها زرعٌ كثير وأنعامٌ كثيرة، وكلما حاول الناس إخمادها بماء الزُّلال ازداد لهيبها، وانتقلت إلى مواضع أخرى.

وجاء الشيخ عيسى، ومعه جنود الاستعمار، لإخمادها، لكنها ازدادت سعيرًا حتى كادت تلتهمهم. ففر عيسى، وقال له أحد جنوده:

إنها لعنة عبد الله وأبيه قد حلَّت بالبلاد، علينا بالانسحاب.

فولوا الأدبار، ولم يبقَ لمقاومة النيران سوى بعض الصبية اليافعين، ذوي الأرواح المسكونة بعشق الحياة، بقيادة فرج، لكن دون جدوى.

وأخذ الناس يتساءلون عن سبب هذا البلاء: أهو من فعل البشر، أم من فعل الأرواح التي أحرقها الشيخ الحاج عيسى؟

وسكن الذهول والخوف قلوب أهل الواحة، وأصابتهم المسغبة.

ومع ذلك، لم يجرؤ أحد على الانتفاض في وجه الشيخ الدنيوي؛ لأن كلمات خطابه المشؤوم حفرت عميقًا في قلوبهم المريضة بالتشبث بالدنيا الزائفة، فاستسلموا لمصيرهم الذي رسمته لهم القوى الطارئة، ونسوا أمجاد واحتهم، والخيرات التي كانت تفيض بها.

وفي يوم من الأيام، خرج فرج، ممتطيًا فرس صاحبه عبد الله، التي وهبها له أبوه بعد استشهاده، باحثًا عن علة ما حلَّ ببلاده، وسبيل معالجته. فتوجه إلى فاس، قبلة الفقهاء وصفوة العلماء، ليسأل عن حال واحته.

فسأل شيخًا ذائع الصيت في جامعتها عن حلٍّ لمشكلته، بعدما سرد عليه ما وقع بالتفصيل، غير أن الشيخ لم يستطع أن يعينه بشيء، وإنما دله على ساحرٍ في «كانو»، بعدما غلب على ظنه أن ما أصاب الواحة من فعل سحر ساحر.

فتوجه فرج جنوبًا، متحملًا برد الجبال وحرارة الصحراء، متسلحًا بالصبر، والرغبة في إحياء الواحة. وعندما بلغ مشارف «كانو»، سأل عن الساحر، فدله عليه بعض الصبية. كان يقيم بين أشجارٍ كثيفة، في كوخٍ طيني، وإلى جواره موقد نار.

دخل فرج، فوجد المكان مظلمًا، يتوسطه قنديل خافت، ورأى الساحر جالسًا القرفصاء.

فقال له الساحر:

تفضل يا ابن باني، لقد انتظرتك طويلًا.
فقال فرج، وقد علت الدهشة وجهه:
وكيف عرفتني؟

فأجابه:

أنا الذي أسأل هنا، لا أنت.

ثم أردف قائلًا:

لقد حلَّت بواحتكم لعنةُ شابٍّ مختار، ولا قبل لكم بمواجهتها.

فقال فرج، وقد ازداد حزنًا:

أعرف ذلك، ولكن ما السبيل إلى تجاوزها؟
فرفع الساحر بصره إلى السماء، وقال في خشوع:
اختلط ماء عينكم بدم عبد الله، ولن يشفى إلا إذا نزعتم الرهبة من قلوبكم.
فسكت فرج مذهولًا، فقد توغل كلام الساحر إلى أعماق نفسه.

ثم تابع الساحر:

وطهروا أجسادكم العليلة من الوغر، وأحسنوا التوكل، وجففوا بلادكم من الأشرار؛ فالواحة مسكونة بعشق الحياة، وماؤها الزُّلال لا يقبل إلا الأخيار من البشر، والبهائم، والشجر.

فقال فرج:

إن فعلنا ذلك، فهل ستعود واحتنا إلى أمجادها؟

فأجابه الساحر:

الزمن كفيل بتطهير ما تدنس، إما بماءٍ فرات، أو لهيب نار.

فعاد فرج، يطوي الكثبان الرملية، غير عابئ بحر الشمس المنصبة على رأسه، وقد شغله التفكير في مصائر أبناء واحته، وكيف يقتلع الدنس من قلوبهم.

ولما بلغ مشارف الواحة، رأى الدخان لا يزال يتصاعد إلى السماء، وسمع الحيوانات تنوح من هول الحريق. وشاهد الشيخ عيسى يغادر الواحة في موكبٍ مهيب، وكانت عيناه تشعان حمرةً، ولم يكن أحد يدري إلى أين يمضي.

وفي الليلة التالية، لم يعرف النوم سبيلًا إلى جفونه، فاتجه إلى الزُّلال، وكانت قمة باني تشع نورًا. جلس يتأمل صفحة الماء، فإذا بصورة عبد الله تتراءى له باسمة، ممسكًا بيد أبيه دا جامع.

ومرَّ به صبي في مقتبل العمر، فسلم عليه، ثم نطق بآية مقتبسة من سورة الرعد:

"...إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ...".

ثم غاب الصبي بين أكوام الرماد، وبقي فرج واقفًا، يحدق في الزُّلال، والدموع تملأ عينيه، فيما ظل الماء أرجوانيَّ اللون، ينتظر صفاء الألباب.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى