من يملك حق تسمية أفريقيا؟
عن الشوارع التي تحمل ذاكرة لم يخترها أصحابها
في صباحٍ أفريقي مزدحم، توقفت شاحنة صغيرة أمام لافتة زرقاء عند أحد الشوارع الرئيسية. نزل منها رجلان، رفع أحدهما سلّمًا معدنيًا، بينما بدأ الآخر يفك المسامير التي تثبّت الاسم القديم. كان المارة يعبرون المكان كعادتهم؛ بعضهم توقف لثوانٍ، وآخرون واصلوا طريقهم دون اهتمام. لكن رجلًا مسنًا ظل يراقب اللافتة وهي تنزل ببطء، كأن جزءًا من تاريخ المدينة يُفك أمام عينيه.
بعد دقائق، ظهرت مكانها لافتة جديدة تحمل اسمًا يعرفه أهل المدينة جيدًا؛ اسمًا لشخصية من تاريخهم، أو كلمة من لغتهم، أو اسمًا قديمًا كان المكان يحمله قبل أن تصل إليه سلطة أجنبية وتعيد رسم الخريطة بأسماء أخرى.
لم يتغير الشارع. المحال بقيت في أماكنها، والحافلات واصلت المرور، والباعة ظلوا ينادون على بضائعهم. الشيء الوحيد الذي تغير كان الاسم.
ومع ذلك، لم يكن الأمر مجرد تغيير لافتة، بل سؤالًا عن الذاكرة: من يملك حق تسمية المكان؟ ومن يقرر أي الأسماء تستحق أن تبقى في حياة الناس؟
في أفريقيا، لا تبدو أسماء المدن والشوارع والأنهار مجرد كلمات على الخرائط. بعضها يحمل أثر مرحلة استعمارية كاملة، حين أُعيد رسم حدود القارة ووُضعت أسماء كثيرة وفق رؤية القوى التي جاءت من خارجها. ومع مرور العقود، تحولت تلك الأسماء إلى جزء من الحياة اليومية، حتى أصبح من السهل نسيان السؤال عن أصلها.
فالاسم قد يبدو محايدًا، لكنه قادر على الاحتفاظ برواية معينة عن المكان. مدينة تحمل اسم حاكم استعماري سابق، أو شارع يحمل اسم مسؤول لم يكن يومًا جزءًا من تاريخ سكانه، يواصلان تذكير الأجيال بحكاية كُتبت من زاوية واحدة.
لهذا لم تكن محاولات إعادة تسمية الأماكن في عدد من البلدان الأفريقية مجرد إجراءات إدارية. إنها، في بعض الحالات، محاولة لإعادة التوازن إلى الذاكرة العامة، واستعادة أسماء ارتبطت باللغة المحلية أو بتاريخ المقاومة أو بشخصيات جرى تهميشها طويلًا.
لكن تغيير الاسم وحده لا يكفي.
فالاستعمار لا يعيش في اللافتات فقط. آثاره تمتد إلى المناهج واللغات والعمارة والكتب والصور التي صنعت صورة القارة عن نفسها وعن العالم. ويمكن أن يتغير اسم شارع بينما تبقى الرواية التي جعلت الاسم القديم ممكنًا حاضرة في المدرسة والكتاب والوعي العام.
ومع ذلك، تظل الأسماء مهمة لأنها أول ما نواجهه عندما نقرأ المكان. نحن لا نسكن الجغرافيا وحدها؛ نسكن الكلمات التي تصفها أيضًا. وحين ننطق اسم مدينة، فإننا لا نحدد موقعها على الخريطة فحسب، بل نستدعي تاريخًا وذاكرة وشخصيات وأحداثًا مرتبطة بها.
لهذا تبدو مسألة الأسماء في أفريقيا معركة على الذاكرة أكثر من كونها خلافًا حول اللافتات.
السؤال ليس فقط: ماذا سنسمي هذا الشارع؟ بل ماذا نريد أن نتذكر عندما ننطق اسمه؟ ومن الذي غاب عن الخريطة حين اختير الاسم الأول؟
قد لا يكون الهدف محو الماضي، لأن محو التاريخ ليس استعادة له. الأهم أن يصبح الماضي مفهومًا بدل أن يظل مفروضًا، وأن يعرف الناس كيف وصل الاسم إلى المكان، وما الذي يمثله، وما الأصوات التي غابت عنه.
أفريقيا لا تحتاج إلى خريطة جديدة بقدر ما تحتاج إلى أن تقرأ خريطتها القديمة بعينها هي.
وربما لهذا فإن تغيير اسم شارع قد يكون بداية لحوار أكبر بكثير من اللافتة: حوار حول اللغة والهوية والذاكرة، وحول الحق في أن يروي أصحاب المكان تاريخه بأصواتهم.
فمن يملك حق تسمية أفريقيا؟
ربما يكون صاحب هذا الحق، في النهاية، هو من عاش قصتها.
