السبت ٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦

«مرّت يوما من هنا» لفيحاء القضاة

«مرّت يوما من هنا» لفيحاء القضاة.. تأملات وجدانية ورؤى إنسانية عميقة

تقدم الكاتبة فيحاء القضاة في كتابها "مرت يوماً من هنا"، مادة عميقة تندرج في حقل أدب الخواطر والنصوص، وتجمع بين الحميمية الشخصية والرؤية الإنسانية العامة، وتدعو القارئ إلى وقفة مع الذات، وإعادة نظر في علاقته بنفسه وبمن مرّوا في دربه وبالحياة على اتساع آفاقها.

ويُفتتح الكتاب الصادر عن الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026)، في 250 صفحة منالقطع المتوسط، بإهداء يكشف أسلوب الكاتبة التأملي إذ تقول: "إلى الرَّجلِ الذي جعلَ الدَّربَ مغامرةً لا تُنسى، ووهبَ خُطواتي نكهتَها، ولونَها، وعطرَها. كم كان حظِّي عظيمًا إذ مررتُ يومًا من هنا برفقتِك!".

ويكشف الكتاب في خاتمته أن هذه المقالات والخواطر لم تولد دفعة واحدة، بل نُشرت تباعًا في الفترة الممتدة بين الأول من سبتمبر 2023 والأول من يوليو 2026، على صفحات الكاتبة في فيسبوك وإنستغرام، قبل أن تُجمع وتُنقّح لتصدر بين دفّتي كتاب واحد يوثّق مسيرة امتدت قرابة ثلاث سنوات.

وقسّمت الكاتبة فيحاء كتابها إلى سبعة فصول، رتّبتها كأنها مراحل متتالية من رحلة إنسانية واحدة. يُفتتح الكتاب بمقدمة تطرح سؤالاً وجودياً عن الأثر الذي يسعى الإنسان إلى تركه خلفه، إذ تتساءل الكاتبة: "ماذا يريدُ الإنسانُ أن يقولَ من وراءِ ذلك؟"، لتخلص إلى أن أعظم إنجاز يحققه المرء هو أن يبقى حيّاً في قلوب أحبته بعد رحيله.

ويحمل الفصل الأول من الكتاب عنوان "بدايات الطريق"، وتستحضر فيه الكاتبة حيّ اللويبدة بوصفه نقطة الانطلاق ومرفأ العودة في آنٍ، أما الفصل الثاني فجاء بعنوان "هي.. لغز المشوار"، ويتعمق في تعقيدات الذات الأنثوية عبر نص طويل بعنوان "هِيَ"، تصف فيه المرأة بتناقضاتها الجامعة: "هشّةٌ تبكيها قصيدة، وصلبةٌ لا يزحزحُها العالمُ عن مبدئِها"، لتختصرها في النهاية بأنها: "امرأةٌ على هيئة حكاية تصالحَ فيها الضدُّ مع ضدّه".

وفي الفصل الثالث "بمن التقيت؟"، تتأمل القضاة في العلاقات الإنسانية وأنماط الشخصيات التي تعبر حياة الإنسان، مقدّمة رؤية لافتة حول من يمرّون بنا: "لقد كانوا علامات فارقة في خط حياتك. يضعون هنا فاصلة، فتتوقف وتراجع. وهناك علامة استفهام، فتسأل وتتفكر. وإشارة تعجّب، فتدرك وتتنبه. أو حتى نقطة فما يعود قبلهم يشبه ما بعدهم"، وتذهب في نص آخر إلى تشبيه العلاقات الإنسانية بأنواع البيوت، من البيت المبني على الرمل الهشّ إلى ذلك المشيّد على الصخر الراسخ حاضناً علاقة تتحدى الظروف لذا "لا تهزُّها بعد ذلك رياحُ الأيّامِ".

أما الفصل الرابع الذي حمل عنوان "مصادفة الحب"، فتناول تجربة الحب بلغة شاعرية رقيقة، وفيه تكتب: "أن أحبك يعني أن أتمسك بك، أبقى معك، أخلق لك عذراً، أكتفي بك ولا أكتفي منك"، ويليه الفصل الخامس "محطة الأصدقاء" الذي يحتفي بقيمة الصداقة والوفاء، ثم الفصل السادس "الأمومة" الذي تفتح فيه الكاتبة نافذة على تجربتها الشخصية كأمّ، بما تحمله من هواجس وفرح وأثر عميق، ليختتم الكتاب بالفصل السابع "ماذا عرفت؟"، وهو أشبه بخلاصة تأملية لما بلغته الكاتبة من نضج ووعي عبر رحلة الكتابة والحياة معاً.

يتميز أسلوب فيحاء القضاة بالمزج بين الخاطرة الوجدانية القصيرة والتأمل الفلسفي العميق، وهي تصوغ غالباً خلاصاتها في جمل مكثّفة قريبة من الحكمة، إذ تكتب في أحد النصوص: "في المكان الصحيح، ومع الأشخاص المناسبين، أنت كافٍ جداً"، وفي نص آخر عن قسوة الأحكام المسبقة تقول: "أكبر احترامٍ حقيقي يمكن أن تقدمه لهم هو فقط عدم إطلاق الأحكام عليهم".

ويختتم الكتاب بنص عنوانه "بقلمي"، تلخّص فيه الكاتبة فلسفتها في الكتابة ذاتها، إذ تصف لحظة أن يقع قارئ غريب لا تعرفه على عبارة من كتابها تشبه قصة حياته، معتبرة أن هذا النوع من "التواصل الإنساني العابر للزمن هو الخلود الحقيقي للكلمات، والانتصار المنشود لكل قلم".

أما نص الغلاف الأخير فتضمن هذه الكلمات الدالة": سلامٌ على هذه الرحلة المدهشة التي لم أحبّها حقاً إلا حين تصالحتُ مع تعقيدها. ‎سلامٌ على تلك التفاصيل المتعبة التي لوّنت أيامنا. ‎سلامٌ على كل مجهولٍ جعلنا نكتشف كم نحن أحياء.

‎سلامٌ على الأبواب التي ستفتح في لحظةٍ لم نكن نتوقعها. سلامٌ على الغد الذي ينتظرنا بقصصٍ تستحق أن تُروى. سلامٌ على الصُّدف التي لم تكن عابرةٌ. ‎سلامٌ على كل عثرةٍ أهدتنا أجنحة. سلامٌ على أرواحنا وهي تحلقُ فوق القلق. ‎سلامٌ على العراقيل التي علّمتنا لذة العبور. سلامٌ على الشغف حين يهمس: أنَّ الأجمل ما زال قيد الحدوث. وسلامٌ على الحياة التي لم تمنحنا كل ما نُريد، ‎فاستودعنا أمانينا عند ربّ قدير".

يذكر أن الكاتبة الأردنية فيحاء القضاة عُرفت بكتاباتها ونصوصها التي راكمت عبر السنوات جمهوراً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، وهي حاصلة على بكالوريوس علوم الحاسوب من الجامعة الأردنية، وخبيرة في الأمن السيبراني ومتخصصة في أمن تكنولوجيا المعلومات والشبكات. بدأت مسيرتها في عالم الكتابة عام 2020، ومن مؤلفاتها: "عزف فريد مع الحياة"، و"السعادة صناعة ذاتية".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى