لوحة نوران
جفت آبار تلك القرية، فلم يكن لساكنيها من سبيل إلا ذلك الوادي الذي يحمل سرًّا يميت الحياة.
على صخرة عند مدخله، نصبت لوحة قديمة. كتب عليها: *"لا تقترب، فالموت أمامك"*.
وكان القوم كلما عطشوا، وقفوا عند اللوحة، بصقوا على التراب، ورفعوا أكفهم للدعاء.
كانوا أميّين، يرون الحروف طلاسم.
وكانوا يظنون أن اللوحة تحميهم، فصاروا يُقبّلونها كل صباح.
إلا طفلة يتيمة اسمها نوران.
كانت تراقب من بعيد، وفي يدها عود صغير تخط به في التراب: أ ل ف.
كانت أمها قبل أن تموت، علمتها أن للحرف روحًا، وأن الماء يختلف إن تغيّر اسمه.
وفي ليلة بلا قمر، جاءها رجل غريب من كُتّاب المدينة كان يمر كل عام ولا أحد يسأله.
لم يأتِ بالماء، بل جاء بكتاب. فتحه أمامها، فقرأت لأول مرة: *"اقرأ"*.
ومن يومها، صارت تعرف أن اللوحة لها وجهان.
وفي يوم، دوّى صراخ الوادي. سقط ابن الشيخ فيه، والتفّ القوم حوله عاجزين.
رفعوا الأكفّ للدعاء، وبصقوا على التراب، وردّدوا: "لعن الله سحرها".
والماء يغمره، والوقت يفلت، ولا أحد يبصر الطريق.
فدفعت نوران اللوحة برجلها الصغيرة وقلبتها.
فانكشف ظهرها، وعليه حروف منقوشة: *"الحياة على يمينك"*
نظر القوم جميعًا إلى يمين الوادي يفتشون. أميّون.
إلا نوران. قرأتها بلسان أمها في قلبها، فأمسكت بيد الطفل اليُمنى، وخطّت عليها بإصبعها: أ ل ف.
ثم جذبته من يده فنجا.
فسكت الوادي كلّه.
والشيخ الذي كان يُقبّل اللوحة كل يوم، جثا على ركبتيه.
لم يُقبّل اللوحة هذه المرّة. قبّل يد البنت التي قرأت.
وفي آخر يوم، وقفت نوران أمام اللوحة، فمسحتها، وكتبت تحتها "ألف".
فسقت الوردة بماءٍ مختلف.
