الأحد ١٨ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

في مَهَبِّ الراتب

أنفق عمره في الانتظار.
يجسّ جيبه الفارغ كمن يجسّ جرحًا يأبى الالتئام،
ويطيل النظر إلى التقويم كمن ينتظر موعدًا
يعرفه الجميع...
إلا الراتب.

الفاتورة سيف بلا غمد،
والدَّين حارس لا ينام،
والإيجار عين لا تطرف،
والدواء أصمّ عن لغة «لاحقًا».

كلما ضاقت الدروب، همس لظلّه:
«غدًا».

غدًا أشتري،
غدًا أقضي،
غدًا أفرح،
غدًا أتنفّس،
غدًا أزور أمي.

فصار «الغد»
أقرب الكلمات إلى قلبه،
وأبعدها عن يديه.

يؤجّل الكساء والحذاء والدواء،
ويؤجّل زيارة الأهل،
وذلك الفرح الصغير الذي كان يزيّن البيت:
ثمرةٌ وقطعةُ لحمٍ فوق المائدة،
وبدلةٌ تليق بموظف يمشي مشية العزّة،
وفستان طفلة،
وهدية لزوجته.

يكذب على عيني الجزار: «آخر الشهر».
ويُسكِت لوعة السوق: «عندما أستلم».
ويقول لصغاره: «اصبروا... الراتب قريب».
ويهمس لزوجته: «لا تحزني... القادم أجمل».

لكن القادم يعيد الحكاية نفسها،
والأيام تصل إلى العتبة قبله...
حافية.
عارية.

ثم يصل الراتب...
ضيفًا متعبًا، وقد سبقته الديون إلى العتبة.
يتناهبه الدائنون قبل أن يقرّ في الكفّ،
وتنهشه الفواتير،
حتى إذا استقرّ هنيهة،
تسرّب بين الأصابع كما يتسرّب الماء،
كأنه جاء ليعتذر:
«سدّدت بعض ما عليك...
وعجزت عن ضمان غدك».

حينئذٍ يلتفت إلى عمره،
فيرى الصغار قد طالوا فجأة في غفلة الانتظار،
وقد تسلّل البياض إلى شعره،
وأشياء كثيرة قال لها: «غدًا»...
بعضها لم يعد متاحًا،
وبعضها لم يعد ينتظر.

الراتب ليس ورقًا ولا رقمًا،
بل طمأنينة لا ترتجف،
وضحكة طفل ينام ملء جفنيه،
ودواء جسد متعب،
وكرامة لا تُستجدى.

قد يصل الراتب غدًا... هذا إن وصل.
لكن العمر الذي أجّلنا فيه الحياة
لن يعود.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى