الجمعة ١٢ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم محمود سلامة الهايشة

عندما يصبح القرب هاوية

حين يتحوّل القرب إلى هاوية: قراءة نقدية في قصة "غزل ورقيّة - حكاية من الزمن القبيح"

تُصنّف قصة "غزل ورقيّة- حكاية من الزمن القبيح" للكاتب حيدر حسين سويري ضمن الأدب الذي يتناول واقع العنف بشكلٍ مباشر. لا يقتصر العمل على سرد حادثة عنف فحسب، بل يسعى إلى الغوص عميقًا في الأسباب الكامنة وراء وقوع مثل هذه الأعمال. إنها قصة قصيرة، لكنها في الوقت نفسه بالغة الدلالة، حيث تتحول حكاية الفتاتين الصغيرتين تدريجيًا إلى رثاءٍ لبلدٍ أنهكته الحروب والإخفاقات إلى درجةٍ بات فيها الخوف ضيفًا في البيوت، بينما يتربص الخطر من الأماكن الآمنة.

منذ بداية القصة، يُقدّم الكاتب مفارقةً قويةً من خلال المعنى الرمزي. فبينما ينشغل الحجاج برجم أعدائهم (الشياطين) في هذه الشعيرة، يقول الشيخ سلمان: "الناس تروح ترجم الشيطان هناك... بس الشياطين الحقيقية ظل هنا". هذه الجملة ليست مجرد عنصر سردي، بل هي مفتاحٌ لفهم العمل بأكمله. إن الشيطان المذكور في النص ليس مخلوقًا أسطوريًا ولا وحشًا خارقًا للطبيعة، بل يرمز إلى الجانب المظلم في الإنسان - الفساد والانحلال والخيانة التي تتجلى أمام أعين الناس. في الواقع، تنجح القصة في ربط المأساة الفردية بالصورة الأكبر من خلال ربط الجريمة بتاريخ العنف والتحولات في العراق، من الحرب إلى العقوبات، وصولًا إلى الانهيارات السياسية والاجتماعية اللاحقة. في هذه الحالة، يلعب الزمن نفسه دورًا كقوة خفية تحدد مصير الناس.

من الناحية الفنية، يستخدم الكاتب أسلوب التدرج الأدبي. تبدأ القصة بأحداث عادية، كفتاة صغيرة تتمنى لعبة صغيرة وعطلات خالية من الفقر والألم. إلا أن الجو يسوده الكآبة تدريجيًا من خلال تلميحات إلى نظرات عدم الثقة من الكبار وهشاشة المحيط، مما يمهد الطريق للأحداث المأساوية الحاسمة. ونتيجة لذلك، يُحدث استخدام هذا الأسلوب الأدبي أثرًا بالغًا على القارئ، إذ يصبح الأمر أكثر صدمة بعد البداية البريئة.

من أبرز سمات هذا النص استخدامه للتناقضات، كالتناقض بين البراءة والوحشية. فـ "غزَل" و "رقية" طفلتان بريئتان، أما من اختطفوهما واغتصبوهما فقد جسّدوا قمة الانحطاط البشري. وبدلًا من سرد الحادثة كجريمة فحسب، يتجاوز الكاتب ذلك بتسليط الضوء على انهيار القيم التي من المفترض أن تضمن سلامة الطفلة. فالخال، الذي يُفترض أن يكون مصدر حمايتها، يتحول إلى أداة خيانة، والعائلة، التي يُفترض أن تكون حامية لها، تصبح وسيلة لإيذائها.

لغة النص بسيطة وواضحة، لكنها لا تخلو من الرمزية. فالكاتب لا يُسهب في الزخرفة، ويستخدم لغةً واضحةً وموجزةً، تتناغم مع جوهر النص. علاوة على ذلك، فإن وجود الشيخ سلمان كشاهد عيان يضفي على النص طابعًا تأمليًا وفلسفيًا. إنه لا يتحدث فقط عن الجريمة، بل يتحدث أيضاً عن كيف أصبح المجتمع غير حساس تجاه هذه المآسي، بسبب التأثير المخدر الذي أحدثته هذه المآسي عليهم.

كما يتجلى الجانب الرمزي بوضوح في نهاية الحكاية. فرؤية رقية لأختها أو صديقتها غزل في الحلم لا يمكن وصفها بأنها مجرد مشهد عاطفي، بل هي بوضوح رسالة أخلاقية. فبقولها "لأن السكوت خلّى الوحوش تكبر"، تتحول الضحية إلى مُتَّهِمة للمجتمع بأسره. وهنا، يمكن ملاحظة كيف ينتقل النص من مجال الرثاء إلى مجال الاحتجاج والإدانة، وكأن الكاتب أراد أن يُظهر أن الجرائم لا تحدث بسبب المجرمين فحسب، بل بسبب الصمت المحيط بهم أيضًا.

ورغم وضوح الرسالة الإنسانية القوية في النص، إلا أن بعض أجزائه تبدو وعظية بعض الشيء نظرًا للصراحة الشديدة في إيصال الرسالة الأخلاقية. ومع ذلك، قد يكون هذا النهج مُبرَّرًا بطبيعة الموضوع والمأساة الموصوفة في النص، إذ يبدو أن الكاتب مهتمٌّ بإيصال رسالته الأخلاقية بقدر اهتمامه بإبداع هذا العمل الفني.

أخيرًا، يمكن تعريف "غزل ورقيّة- حكاية من الزمن القبيح" بأنها نصٌ إنساني مأساوي يطرح سؤالًا جوهريًا أمام قرائه، ألا وهو: ما مصير المجتمعات حين تنهار منظومة قيمها إلى درجة أن الأطفال يفقدون شعورهم بالأمان بين أهلهم؟ إنها قصة عن جريمة، ولكنها في جوهرها قصة تفكك العلاقات وسحق البراءة تحت وطأة عصرٍ فقد كل معاني القيم. وهنا تكمن قوتها الحقيقية، فهي لا تجعلنا نحزن على ضحايا هذه المأساة الأبرياء فحسب، بل تدفعنا أيضًا إلى التأمل في كيفية وقوع مثل هذه المأساة، وإلى استعادة الإنسان لإنسانيته.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى