الاثنين ٢٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم محمد عبد الحليم غنيم

سحب كتب سالي روني من الأسواق

سحب كتب سالي روني من الأسواق في المملكة المتحدة بسبب دعمها لمنظمة "فلسطين أكشن" (Palestine Action)

بقلم : جابولاني سيكاكاني

أعلنت الروائية الأيرلندية ذائعة الصيت عالمياً، سالي روني، أنها مضطرة لسحب كتبها من الأسواق في المملكة المتحدة. ويأتي هذا القرار على خلفية دعمها لمجموعة "فلسطين أكشن" (Palestine Action) -وهي جماعة تعتمد أسلوب "العمل المباشر" في احتجاجاتها- والتي صنفتها الحكومة البريطانية منظمةً إرهابية في يونيو 2025.

تُعد سالي روني واحدة من أبرز الروائيين وأكثرهم إثارة للاهتمام في العقد الأخير. وتركز أعمالها الروائية بشكل أساسي على تصوير علاقات الشباب بأسلوب يتسم بالعمق النفسي والدقة في رصد التفاصيل الدقيقة. وهي تتخذ من هذه العلاقات العاطفية -التي غالباً ما تكون معقدة وملتبسة- نافذةً لاستكشاف تعقيدات الحياة في القرن الحادي والعشرين وما يرافقها من قلق ثقافي.

وعادةً ما تتجاوز مبيعات مؤلفاتها حاجز الـ 500 ألف نسخة في المملكة المتحدة وحدها. كما حقق المسلسل الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) والمقتبس من روايتها الثانية "أشخاص عاديون" (Normal People) نحو 62.7 مليون مشاهدة.

تقيم روني في أيرلندا، حيث لا يوجد حظر على منظمة "فلسطين أكشن" ومع ذلك، فإن نيتها تقديم دعم مالي للمنظمة - من خلال التبرع بعائدات مؤلفاتها - قد تترتب عليه تبعات قانونية في المملكة المتحدة. فبموجب المادة 15 من قانون الإرهاب لعام 2000، يُعدّ تقديم "أموال أو ممتلكات أخرى" - مع العلم أو وجود سبب معقول للاشتباه في أنها ستُستخدم أو قد تُستخدم لأغراض إرهابية - جريمةً يعاقب عليها القانون بالسجن لمدة تصل إلى 14 عاماً.

وقد دفع هذا الوضع روني إلى إلغاء رحلة كانت مقررة إلى المملكة المتحدة في عام 2025 لتسلم جائزة عن أعمالها، وذلك خشية تعرضها للاعتقال. ومن جانبها، أوضحت دار النشر البريطانية "فابر" (Faber) أن هذا البند القانوني يمنعها من تحويل عائدات مبيعات روايات روني داخل المملكة المتحدة إليها.

وأكدت دار النشر "فابر" قائلة: " إن بيع أعمال كاتبٍ ما مع العجز عن إيصال أرباحه إليه يُعدّ وضعاً لا يمكن قبوله أخلاقياً بالنسبة للناشر . وبناءً على ذلك، قررت الدار أنها لم تعد قادرة على توفير روايات الكاتبة -بأي صيغة كانت- في داخل المملكة المتحدة ." ومع ذلك، أعربت "فابر" عن دعمها المستمر لروني، وأنها ستواصل نشر أعمالها في بلدان أخرى.

ما هي منظمة "فلسطين أكشن" (Palestine Action)؟

سلطت التصريحات الأخيرة لروني وناشرها الضوء مجدداً على التصنيف المثير للجدل لمنظمة "فلسطين أكشن" (Palestine Action) كـ "منظمة إرهابية"، وتداعيات ذلك على حرية التعبير. وتبرز حالة روني المصطلحات الفضفاضة للغاية التي يمكن من خلالها تعريف "المنظمة الإرهابية" بموجب قانون عام 2000، وهو ما قد لا يتوافق مع المفهوم العام السائد لدى الجمهور.

تأسست "فلسطين أكشن" في المملكة المتحدة عام 2020، وكان هدفها المعلن هو "اتخاذ إجراءات مباشرة ضد تجارة الأسلحة الإسرائيلية في بريطانيا". وقد تمثلت هذه الإجراءات، بشكل رئيسي، في اقتحام منشآت تصنيع الأسلحة والمرافق العسكرية وإلحاق أضرار بممتلكاتها.

وكانت المصانع التابعة لشركة تصنيع الأسلحة الإسرائيلية "إلبيت سيستمز" (Elbit Systems) الهدف الأساسي للمجموعة، إلا أن أنشطتها طالت أيضاً شركات بريطانية وبنية تحتية عسكرية.

ويبدو أن قرار تصنيف حركة "فلسطين أكشن" كمنظمة إرهابية جاء في أعقاب عملية اقتحام لقاعدة "برايز نورتون" (Brize Norton) التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في يونيو 2025، حيث تعرضت طائرتان للتخريب باستخدام طلاء الرش. وفي تعليقها على الحادثة، ذكرت "فلسطين أكشن":"على الرغم من إدانتها العلنية للحكومة الإسرائيلية، تواصل بريطانيا إرسال الشحنات العسكرية، وتسيير طائرات الاستطلاع فوق غزة، وتزويد المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية بالوقود."

وقد استندت الحكومة في قرارها بحظر المنظمة بشكل أساسي إلى الأضرار التي لحقت بالممتلكات جراء أنشطتها. كما وُجهت لبعض النشطاء المرتبطين بـ "فلسطين أكشن" تهم تتعلق بارتكاب أعمال عنف.

وصرحت وزيرة الداخلية آنذاك، إيفيت كوبر، بأن "فلسطين أكشن" قد "ارتكبت أعمالاً تسببت في أضرار جسيمة للممتلكات، بهدف تعزيز قضيتها السياسية والتأثير على الحكومة". وأشارت إلى أن أفعال المنظمة تسببت في أضرار قُدّرت بملايين الجنيهات الإسترلينية، وأثارت مخاوف الموظفين في المؤسسات المستهدفة على سلامتهم الشخصية.
فجوة في التصور

يخضع قرار حظر منظمة "فلسطين أكشن" (Palestine Action) حالياً لنزاع قضائي أمام المحكمة العليا في المملكة المتحدة. ويشير منتقدو القرار إلى أنه، فضلاً عن كونه قد اتُخذ على عجل، فإنه يخلط بين المنظمات التي تمارس "العمل العام" والتي تستهدف عادةً الممتلكات وبين المنظمات التي تنتهج العنف الصريح وتستهدف الأشخاص.

على سبيل المثال، تم حظر حركتين أخرايين باعتبارهما منظمات إرهابية إلى جانب حركة فلسطين في عام 2025، وهما طائفة القتل المهووسة (وهي جماعة نازية جديدة تشجع بنشاط على جرائم القتل والاعتداءات عبر الرسائل الإلكترونية) والحركة الإمبراطورية الروسية (وهي حركة عنصرية بيضاء معادية للسامية ولها جناح شبه عسكري).
يمكن التعامل مع الأضرار التي تلحق بالممتلكات -والتي تتسبب فيها مجموعات مثل "فلسطين أكشن" (Palestine Action)- من خلال القوانين الجنائية العامة، دون الحاجة إلى اللجوء إلى "قانون الإرهاب". ويرى المنتقدون، بناءً على ذلك، أن تصنيف مجموعة تمارس "العمل المباشر" كمنظمة "إرهابية" قد يمثل شكلاً خطيراً من أشكال التوسع في سلطة الحكومة، وهو ما قد تترتب عليه عواقب تتجاوز المجموعة ذاتها.

ومنذ حظر "فلسطين أكشن"، أُلقي القبض على أكثر من 3700 شخص بسبب إظهارهم الدعم للمنظمة علناً، مما أدى إلى توجيه نحو 2500 تهمة. وقد اتخذت مظاهر الدعم هذه، في الغالب، شكل رفع لافتات خلال الاحتجاجات. ويُعد إبداء الدعم جريمةً بموجب المادة 13 من "قانون الإرهاب"، وتصل عقوبتها القصوى إلى السجن لمدة ستة أشهر؛ ومع ذلك، لم تصدر أي إدانات حتى الآن، نظراً لأن قرار الحظر لا يزال قيد الاستئناف.

ويشكل هذا تصعيداً هائلاً في أعداد الاعتقالات المرتبطة بالإرهاب في المملكة المتحدة؛ فقبل فرض الحظر في يونيو 2025، بلغ عدد الاعتقالات 234 حالة فقط، بينما ارتفع هذا الرقم ليصل إلى 3867 حالة بحلول نهاية يونيو 2026، أي بزيادة قدرها 1553%.

وتشير هذه الأرقام إلى وجود فجوة في التصور العام؛ إذ يواجه الكثيرون الآن عواقب وخيمة بسبب ما يعتبرونه تعبيراً حراً عن دعمهم لمنظمةٍ لا ترقى أنشطتها -بأي حال- إلى المفهوم الشائع للأعمال "الإرهابية".

وفي الواقع، جادل المنتقدون منذ البداية بأن اللجوء إلى هذا القانون جاء بدافعٍ انتهازي؛ إذ ربما ترفض هيئات المحلفين، التي قد تتعاطف مع النشطاء، إدانتهم بتهم تتعلق بإلحاق أضرار جنائية بالممتلكات.
مخاوف مشروعة

تُشير الزيادة الحادة في الاعتقالات والتهم التي أعقبت حظر حركة "فلسطين أكشن" إلى أن المخاوف التي أبداها كل من روني ودار نشرها هي مخاوف مشروعة. وتُعد سحب كتب روني من أحد أكبر أسواقها أثرًا بارزًا لخطوة تصنيف حركة أو جماعة عمل كمنظمة إرهابية. ولم يقتصر استخدام قانون الإرهاب على فرض قيود على المجموعة المستهدفة وداعميها فحسب، بل أدى الآن إلى الحد من وصول الجمهور إلى أعمال إبداعية تحظى بشعبية كبيرة رغم أنها لا تمت بصلة إلى تلك المجموعة.

مما لا شك فيه أن روني تمتلك من المبيعات والموارد ما يكفي لتجاوز هذه الخطوة، لكن كتابًا آخرين قد يكونون أكثر عرضة للضرر. وقد يُنذر سحب رواياتها بمستقبل لم يعد فيه بإمكان المؤلفين بيع أعمالهم في مناطق معينة وذلك بسبب آرائهم السياسية أو معتقداتهم المعلنة أو انتماءاتهم.

بقطع النظر عن مآل التحديات القانونية القائمة بشأن حظر منظمة "فلسطين أكشن" (Palestine Action)، فإن هذا التطور يُظهر أن تداعياته بدأت تظهر في مجالات غير متوقعة من الحياة العامة. وهو يطرح أسئلة صعبة -ربما لم تكن متوقعة- حول الآثار بعيدة المدى للقرارات السياسية على الثقافة الأدبية وحرية التعبير.

الكاتب : جابولاني سيكاكاني/ يتمتع السيد جابولاني سيكاكانى بخبرة تزيد عن 20 عاماً في مجالي الصحافة والاتصالات، حيث تركزت مسيرته المهنية بشكل رئيسي على التغطية الصحفية للشؤون المالية والسياسية. عمل لدى العديد من المؤسسات الإعلامية، بما في ذلك "فاينانشال ميل" (Financial Mail) و"بيزنس تايمز" (Business Times)، وشغل منصب محرر في "بيزنس ريبورت" (Business Report)، بالإضافة إلى توليه منصب رئيس تحرير مجلة "ديستني مان" (Destiny Man) - وهي مجلة موجهة للرجال تركز على مجالي الأعمال ونمط الحياة. وقد حصل على العديد من الجوائز تقديراً لإسهاماته في مجاله، كما حصل على شهادات متنوعة من كلية "ويتس" للأعمال (Wits Business School)، وجامعة بنسلفانيا، ومعهد "جيبس" (GIBS).


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى