الثلاثاء ١٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم عمرون علي

خمس تجارب في ديداكتيك النص الفلسفي وقراءته

فرش اشكالي

لا يستطيع طالب الفلسفة أن يلج باب التفلسف الحقيقي دون أن يقيم مع النصوص علاقة شخصية حميمة ومستمرة، فهي الطريق الملكي الذي يقود إلى ميراث العقول التي سبقت، فالنصوص الفلسفية ليست بضاعة تتواجد هناك في كتب الفلاسفة تعرض على الرفوف، ولا تأثيثا لدرس يفرض على التلميذ بالإكراه، بل فعل احتراق واختراق متبادل وخارطة ومفتاح كنز لا يفتح إلا لمن امتلكه ، إن السير في طريق النص الفلسفي رحلة طويلة كتلك التي وصفها الغزالي في المنقذ من الضلال السائر فيها يغرق أول الأمر في بحر الشك، ثم يتدرج بصبرٍ وألم من الحيرة إلى اليقين، ومن الظلمة إلى نور الحقيقة.

لكن هذه الرحلة ليست واحدة في كل مكان ولا في كل مستوى دراسي، فالنصوص التي تقدم للطفل في ورشة فلسفية،ليست هي النصوص التي يطالب بها التلميذ في البكالوريا الجزائرية أو المغربية أو الفرنسية، وليست هي النصوص التي تختارها بحرية عقول ناضجة تجتمع خارج أسوار المؤسسة والامتحان، هي خمس تجارب سنتحدث عنها في مقالنا هذا، وخمس طرائق في الاقتراب من النص، نكتشف من خلالها أن التعامل مع التراث الفلسفي ليس مسألة تقنية واحدة، بل مسألة حياة كاملة، دورة تبدأ بالانفتاح الجمالي الحر في الطفولة، ويفترض ان تمر بصرامة مؤسسية متدرجة في سنوات التكوين، ثم العودة الى النضج في انفتاح جديد، انفتاح يحمل أثر الصرامة التي مر بها، لا انفتاحا ساذجا كأول الطريق، هي تجارب نحاول الاقتراب منها، نستخرج منطقها الداخلي، ثم نُخضعها للمساءلة ذاتها التي يفرضها النص الفلسفي على قارئه: كيف نمنح النص سلطته دون أن نخنق التفكير؟ وكيف نجعل من قراءة نصوص الفلاسفة تمهيدا للفكر الصحيح، لا مجرد معرفة تضاف إلى معرفة؟

التجربة الفرنسية بيداغوجيا الممارسة والمؤسسة والمنهج

تقدم البكالوريا الفرنسية تصورا عمليا خالصا لا يكترث بتأصيل نظري لمفهوم النص، بل ينطلق مباشرة إلى سؤال كيف نقرأ النص الفلسفي؟ كيف نحلله؟، وجوهر هذا التصور أن الفلسفة عادة تكتسب بالتكرار والمران، لا معرفة تلقن دفعة واحدة. من هنا كان الإلحاح في التجربة الفرنسية على:

امتلاك النص ماديًا (تواجد الكتاب عند التلميذ)، وجعل المكتبة طقسًا يوميا.

التمييز بين القراءة السريعة (الاستكشافية) والقراءة المتعمقة (التأويلية).

بناء"بطاقات"مفاهيمية تراكمية عبر سنوات تدريس الفلسفة.

التمييز الدقيق بين الشرح (استخراج ما قاله النص فعلًا) والتعليق (مساءلة نقدية له، تفترض معرفة تراكمية بتاريخ الفلسفة).

ولا تقتصر هذه الفلسفة العملية على شهادات الأساتذة الميدانيين وحدهم، بل تجد سندها في النص الرسمي الذي اصدرته وزارة التربية الفرنسية نفسها وثيقة (Eduscol ) ماي 2020 والتي تؤطر منهجيا ما يسمى تقنيا"دراسة الأثر"بوصفها ركيزة بنيوية لتدريس الفلسفة لا مجرد اختيار بيداغوجي فردي. فهذه الدراسة إلزامية في شعبة الجذع العام المشترك، بينما تبقى اختيارية -وإن كانت موصى بها بقوة- في الشعبة التكنولوجية التي يكتفى فيها بدراسة نصوص ذات حجم كافٍ. كما يحدد النص الرسمي بدقة الضوابط التي تحكم هذه الدراسة: أهمها رفضٌ صريح لطرفي النقيض، أي الاكتفاء بمقتطفات قصيرة جدًا من جهة، والانزلاق نحو قراءة خطية شاملة مفترضة لكل الأثر من جهة أخرى؛ وتشترط هذه الوثيقة أن تظل دراسة النص مرتبطة دومًا بمحاور البرنامج المفاهيمية لا منعزلة عنها. ويرفق هذا الإطار الرسمي لائحة محددة من المؤلفين المعتمدين، موزعة على ثلاث حقب (القديمة والوسطى، الحديثة، المعاصرة)، بحيث لا يترك اختيار"ما هو فلسفي"لتقدير الاستاذ وحده، بل يخضع لضبط مركزي على المستوى الوطني.

يضاف إلى هذين المصدرين مصدر ثالث يمنح الجانب الفرنسي عمقا منهجيا صريحا، وهي منهجية جاكلين روس في تحليل النص الفلسفي، كما عرضها الباحث حسن الركني. تقوم هذه المنهجية على مبادئ متدرجة تبدأ بـمعرفة القراءة الجيدة بوصفها شرطًا أوليًا يسبق أي تحليل، ثم تركيز الانتباه على بنية النص الداخلية، ثم المراوحة المستمرة بين حرفية النص ومعناه العام، بحيث لا ينفصل استخراج الأفكار المفتاحية عن وعي الطالب ببنية النص ومساره الحجاجي ككل. وما يميز هذا المصدر أنه يعترف صراحة بصعوبة هذا التمرين على التلاميذ وحتى على بعض الأساتذة غير المكونين تكوينا كافيا لممارسته، وهو اعتراف نادر يكسر وهم"الصرامة الفرنسية السلسة"ويبقي الباب مفتوحا لنقد ذاتي داخل التقليد نفسه.

العلاقة الحميمية بالنص التي ينادى بها في فرنسا ليست أفقًا تربويا فرديا فحسب، بل التزام إداري ومنهجي ثلاثي الطبقات، يوصي به الأستاذ، تُلزم به الدولة، وتُنظّره الجامعة. لكن يبقى السؤال معلقا: هل هذا التماسك الثلاثي كافٍ لتفادي أن يتحول تحليل النص إلى إجراء تقني بارد؟.

التجربة المغربية من النقاش الجماعي إلى التأصيل الهرمينوطيقي

خلافا لما قد يظن، لم تبدأ التجربة المغربية بتنظير فردي جاهز، بل مرت بمسار تاريخي تراكمي يكشفه مصدر نادر، عدد كامل من مجلة"الجدل"(فصلية فلسفية، الرباط)، الصادر سنة 1986 عن الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، تحت باب"وثائق"، بعنوان"وظيفة النص الفلسفي في تدريس الفلسفة"

هذه الوثيقة الجماعية المبكرة تنطلق من عاملين لتبرير الاهتمام المتنامي بالنص، عامل فكري-ثقافي عام ويتمثل في تأثر الدراسات الفلسفية المعاصرة بإعادة قراءة التراث عبر مناهج جديدة كالألسنيات، وعامل تربوي محلي وهو توحيد برنامج الفلسفة في المغرب، وتقليص الملخصات الفردية المتفاوتة، والحد من الحفظ لصالح التأمل والمناقشة. وتحديد بدقة صعوبات اختيار النص الفلسفي، خاصة صعوبة المادة الفلسفية نفسها، وغياب تعريب كامل للتراث الفلسفي الغربي.

تقترح هذه الوثيقة ثلاث جدليات لتحليل النص، جدلية النص/الدرس، جدلية النص/النسق (نسق صاحبه الفلسفي)، وجدلية النص/الواقع (الإطار التاريخي). والأهم أن المناقشة المرفقة بالوثيقة تظهر خلافا حيا بين الأساتذة المغاربة أنفسهم حول سؤالين محوريين لم يحسما بعد: هل توجد منهجية موحدة صالحة لكل النصوص، أم أن كل نمط نص (أدبي، قانوني، فلسفي) يحتاج مقاربة خاصة؟ وهل النص الفلسفي مجرد أداة بيداغوجية بين أدوات أخرى، أم أنه أداة معرفية فريدة لا تختزل في وظيفتها التعليمية؟

هذا النقاش الجماعي التأسيسي توج لاحقا بتنظير فردي أكثر صرامة، ففي مقال مصطفى بلحمر حول النص الفلسفي، انطلق من هذا السؤال النظري ما النص؟ قبل السؤال البيداغوجي كيف نشتغل عليه؟ مستندا إلى بول ريكور، وقد حدد بلحمر معايير النصية (التثبيت بالكتابة، الانفصال عن قصد المؤلف، الانفتاح على القارئ، التناص)، ثم برهن على أن النص الفلسفي يستوفيها. من هذا التأصيل تنبثق منهجية القراءة على مرحلتين: التفسير (قراءة النص في انغلاقه، استخراج ما يقوله وكيف يقوله) والتأويل (قراءة النص في انفتاحه، أي"تملّك"القارئ له وإدماجه في أفق فهمه الخاص). كما يرفض بلحمر حصر الكتابة الفلسفية في صيغة الإنشاء وحدها، داعيا إلى تنويع أشكال التعبير الفلسفي أسوة بالفلاسفة أنفسهم.

التجربة الجزائرية إشكالية الهوية والكونية

التجربة الجزائرية في السنوات الأخيرة أصبحت لا تهتم كثيرا بديداكتيك القراءة، بل بشرعية إدراج نص جزائري محلي ضمن معيار الكونية الفلسفية. الا ان هناك من يذهب الى التأكيد على تحرير النص الفلسفي من هويته المحلية على اعتبار ان اغلب الدراسات الفلسفية واللغوية المعاصرة لاتقيس قيمة النص بمؤلفه ولا بمضمونه المجرّد فقط، بل تنظر في آلياته البنائية التي تُشكّل هويته وتحدّد طريقة اشتغاله وتنقله من المحلي الى الكوني. هذه الآليات تُحوّله من مجرد خطاب ينسب الى الانا إلى فضاء حيوي للإنتاج الفكري يساهم فيه الغير بدليل:

انه نص اشكالي: يفجر اليقينيات ويخلق مساحة للتأمل النقدي من خلال تحويل السؤال العادي إلى إشكالية فلسفية قابلة للتفكيك. وهذه الخاصية تُظهر النص كـورشة مفتوحة للتفكير، لا كمجموعة نصائح. فالنص الفلسفي لا يقدم إجابات جاهزة، بل يعرّي التناقضات الكامنة في المفاهيم.

انه نص تساؤلي: يفكك المفاهيم عبر أسئلة متتالية تفضي إلى تعقيد الإشكالية. ويجنّب القارئ السطحية ويجبره على المشاركة النشطة. وتُحوّل النص إلى حوار متخيل مع القارئ.

انه نص حجاجي: فالفلسفة كما قال كانط بناء من الاستدلالات، بناء من الحجج المنطقية اما لدعم الأطروحة أو تفنيدها. وهي بهذه الخاصية تخلق بنية نصية متشابكة، حيث كل فقرة تُبنى على سابقتها.

انه نص مفاهيمي: يصيغ المفاهيم المجردة ويحدد دلالاتها بدقة ويحول التجارب الذاتية إلى مصطلحات قابلة للتداول النظري. وهذه الخاصية تُظهر النص كـنظام مفاهيمي مغلق من الخارج، لكنه مرن من الداخل. وبهذا المعنى يصح القول ان النص الفلسفي نسيج: فالنص الفلسفي المتميز يبدأ بالأشكلة لفتح الإشكال، ثم التُعمّق بالمساءلة لتوسيع زوايا النظر، ويبنى بالمحاجة وتُختزل افكاره بالمفهمة.

يمكن الإشارة هنا محمد شوقي الزين في كتابه مشكلات فلسفية ونصوصها، خصص ملحقا كاملاً بعنوان منهجية تحليل النص الفلسفي عرض فيه منهجًا بيداغوجيًا تحليليًا واضحًا مستوحى من التقليد الفرنسي في شرح النص والتعليق الفلسفي، مع تكييفه لطلبة الفلسفة، ينطلق هذا المنهج من مبدأ أن قراءة النص وتحليله ليسا مسألة ذاتية اعتباطية، بل يخضعان لمعايير موضوعية تقتضي التقيّد قدر الإمكان بحرفية ما قاله المؤلف فعلًا، والانطلاق دائمًا من داخل النص دون إسقاط أفكار خارجية عليه، مع اعتبار النص نسيجًا مترابطًا لا مجموعة فقرات منفصلة. يبدأ التحليل بالتساؤل عمّا أراد المؤلف قوله، ويلتزم التلميذ بظاهر النص أولًا ثم يتجاوزه إلى مضامينه الأعمق، مع الانتباه إلى تركيبته وأدوات الفصل والوصل وأدوات الاستفهام والأمثلة، والكشف عن المعنى الكامن فيه بقراءة متأنية من داخله. ويقترح الكتاب من حيث المنهجية بنية كلاسيكية تبدأ بمقدمة تحدد المبحث الرئيس والموضوع والإشكالية والأطروحة وخطة النص، ثم عرضًا ينظم النص ويكشف مفاهيمه الأساسية ويسايره خطوة بخطوة مع الحفاظ على شخصية القارئ الفاعل واستعمال المعجم الفلسفي بذكاء دون إسقاط، ويلتزم بجهد نقدي حواري هادئ، لينتهي بخاتمة تعيد تركيب النص وتصل إلى نتيجة وتتخذ موقفًا متزنًا من الحوار معه بالتقييم والتمثين لا بالمحاكمة. ويحذر محمد شوقي الزين من فخاخ تمزيق النص أو تحويل التحليل إلى مقالة حرة أو الاسترسال خارج المطلوب أو التجريد وإهمال الأمثلة أو الإطناب وتكرار ما قاله صاحب النص بصيغ أخرى.

التجربة السويسرية من فهم النص إلى تجربة النص

تنقلنا التجربة السويسرية إلى أرضية مختلفة كليًا، سياق الفلسفة مع الأطفال (منذ سن السادسة)، حيث لا يكون النص الفلسفي مطلوبًا تعليميًا بل عبئًا يهدد بنية العمل الورشي نفسها. فالتيار البيداغوجي الذي ينتمي إليه هذا الطرح (ليبمان، توزي، غاليشيه) يقوم على مبدأين قد يتناقضان مع إدخال نص الفيلسوف، موقف الميسّر الأفقي حيث يجب أن يتخلى المدرّس عن دور ناقل المعرفة، وسياق مجتمع البحث حيث يجب أن يظل التفكير الجماعي حرًا لا محكومًا بنص جاهز يغلق باب التساؤل.

وقد جرب لحل هذا التوتر نموذجان، تبني موقف الفيلسوف حيث يمنح كل فريق مقتطفًا نصيًا عليه أن"يتبنى"موقفه، والنص كمشارك في الحوار ومن خلاله تطرح الأسئلة أولا، ثم يختار نص يجيب عنها أو يعارضها، فيدعى لاحقًا كمشارك افتراضي، و الخلاصة الفلسفية الأهم استنادًا إلى ليبمان وغاليشيه، هي الانتقال من اعتبار النص محتوى يفهم إلى اعتباره موضوعا يختبر جماليًا وحسيًا، أشبه بلوحة تُكتشف لا تفكك.

مجموعات القراءة الحرة النص بعد المؤسسة والامتحان

يأخذنا تقرير جان براز إلى فضاء لم نلتقِ بمثله في المحاور الأربعة السابقة، مجموعتان فرنسيتان من القراء البالغين إحداهما نسائية بالكامل تقريبا، اجتمعت عشرين عامًا، والأخرى مختلطة ثم ذكورية، أصغر عمرًا كمجموعة، تلتقيان شهريًا لقراءة نصوص فلسفية معا، خارج أي مؤسسة تعليمية، دون امتحان ودون شهادة، بمحض إرادة المشاركين ومعظمهم متقاعدون في مراحل متقدمة من العمر.

تقبل هذه المجموعات على النص طواعية، وتمنحه سلطة أعلى من سلطة الذي يدير الجلسة نفسه، هذا ليس موقفي بل موقف صاحب النص، عبارة تلخص وظيفة النص هنا بوصفه حاميًا للمشارك من الجدال الحزبي ومن سلطة المسير ذاته، لا مصدر سلطة يخشى منها كما في التجربة السويسرية.

القراءة هنا قراءة بطيئة ومتأنية جماعيا، مسنودة بقواعد صارمة (اختيار ديمقراطي للنص، عدم إلزام الحضور، حظر تحويل الجلسات إلى علاج نفسي أو نشاط سياسي)، ويتولى مسير ذو تكوين فلسفي رسمي دور التوعية والمساعدة والتوجيه والتخطيط بتواضع. ويستحضر التقرير إطارا نظريا لافتا من جاك دريدا في كتابه «من الحق إلى الفلسفة»، حيث يستعرض جملة من التناقضات الجوهرية التي يعيشها كل مجتمع فلسفي حقيقي منها: التناقض القائم في رفض الخضوع لغاية خارجية مع التمسك في الوقت نفسه بغاية نقدية لا يتنازل عنها، وفي الجمع بين هوية قابلة للتحديد وانتشار شامل يتجاوز الحدود، وفي الانتماء إلى مؤسسة ما مع تجاوزها في آن، وفي التوفيق بين سلطة المعلم ومطلب الديمقراطية، وفي التردد بين زمن منظم محدود وزمن مفتوح لا ينتهي، وفي الاعتراف بضرورة وجود المعلم مع مطلب تلاشيه التدريجي. ويخلص التقرير إلى أن المجموعتين تنجحان، بدرجات متفاوتة، في قياس نفسيهما على ضوء هذه التناقضات دون محاولة حسمها قسرا، أي في العيش داخل التوتر نفسه لا في إنكاره أو تجاوزه الزائف.

خاتمة

بهذا يتضح أن التجارب الخمس لا تتوزع على تراتبية عمرية خطية بسيطة انفتاح في الطفولة ثم صرامة إلى الأبد، بل على منحنى حلزوني، ينطلق من انفتاح جمالي أول غير مشروط، يمر عبر حلقة من الصرامة المؤسسية المتصاعدة تدريجيا، ليعود أخيرًا إلى انفتاح ثانٍ في النضج (تجربة القراء الأحرار) لكنه انفتاح مختلف جوهريًا عن الأول، لأنه لم يعد انفتاحًا قبل الصرامة بل بعدها ومعها، والقارئ المتقاعد في فرنسا الذي يقرأ سبينوزا اليوم بحرية طواعية، يحمل معه أدوات القراءة المتأنية والمنهجية التي بنيت عبر سنوات التكوين المدرسي، حتى وهو يمارس اليوم حرية اختيار النص والانسحاب منه متى شاء.

هذا النموذج الحلزوني يعيد صياغة السؤال الذي بدأنا به: ليس أي تجربة أصح؟ ولا حتى أي تجربة تناسب أي عمر؟ فحسب، بل: كيف تعد كل مرحلة الفرد للمرحلة التالية دون أن تنهي مهمتها بانتهاء سنها؟ فالصرامة المدرسية لا تبرر بذاتها، بل بكونها الجسر الضروري بين انفتاح الطفولة الفطري وانفتاح النضج الطوعي، والانفتاح السويسري ليس تراخيا بيداغوجيا بل تأسيسا مبكرا للفضول الذي ستحرسه الصرامة لاحقًا، وحرية القراء المتقاعدين ليست تراجعا عن الصرامة بل ثمارها المتأخرة، تعليم الفلسفة من خلال النصوص، ليس اختيار موقف واحد من بين خمسة تجارب، بل فن إدارة دورة حياة كاملة يعرف فيها كل موقف أين يبدأ ومتى يسلم الراية لما بعده.

المراجع

عمرون علي. النص الفلسفي في البكالوريا الفرنسية: من التفسير إلى التحرير.

عمرون علي. مقال حول شرعية إدماج النصوص الفلسفية الجزائرية ضمن برنامج البكالوريا (معايير الاختيار، إشكالية الكونية والخصوصية).

بلحمر مصطفى. في النص الفلسفي، ديداكتيك.

الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة."وظيفة النص الفلسفي في تدريس الفلسفة"(وثيقة ومناقشة جماعية)، مجلة الجدل، فصلية فلسفية، الرباط، العدد 4، 1986، ص 83–100. [يتضمن مناقشة بين الأساتذة أقبيب، عبد الوهاب، أبو عشرة، العيادي، ونموذجًا تطبيقيًا على نص لأفلاطون من 5

– محاورة"فيدون"، تعريب علي سامي النشار وعباس الشربيني، دار المعارف، مصر، 1965.]

مقال حول تدريس النص الفلسفي ضمن مقاربة"الفلسفة مع الأطفال"(استنادًا إلى ماثيو ليبمان، ميشال توزي، فرانسوا غاليشيه).

براز، جان."قراءة النصوص الفلسفية معًا: تقرير عن أنشطة مجموعتين من القراء البالغين.

الركني، حسن."منهجية تحليل نص فلسفي: من خلال كتاب المناهج في الفلسفة لجاكلين روس.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى