تمثيلات فلسطين في الرواية العربية
تمثيلات فلسطين في الرواية العربية
ثلاثية الأجراس لإبراهيم نصر الله نموذجا
هذه الدراسة تتناول نماذج من الروايات الفلسطينية (1970- 2019)
فلسطين: مقاربة كلية لتمثيلاتها السردية:
ثمة أسئلة تطرح عندما ننظر إلى فلسطين بوصفها موضوعا في الرواية العربية، وكيف تم التعبير عنها، وتناول قضاياها، خاصة أن فلسطين ليست مكانا، ولا قطرا، ولا بيئة فقط، وإنما هي القضية المحورية للأمة العربية، بما تحمله من أبعاد وأصداء بجانب أحداثها اليومية في الذاكرة العربية، وما تحمله أرضها من مقدسات دينية، وتجربة حضارية تاريخية، مما جعلها جزءا أساسيا من هوية الأمة، مع الأخذ في الحسبان تطور الهوية الفلسطينية، كما يذكر محسن صالح، خلال الفترة من (1967-1988) وما بعدها، ببروز قيادة الفصائل الفلسطينية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبنجاح المنظمة في تحقيق الاعتراف بها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، والحصول على مقعد لها كمراقب في الأمم المتحدة، وهي فترة تتميز أيضاً بتراجع البعد العربي للقضية الفلسطينية، وإغلاق حدود دول الطوق في وجه العمل الفدائي الفلسطيني، وانتهاء حقبة الحروب العربية الرسمية مع الكيان الصهيوني، والبدء في مشروعات التسوية واتفاقيات السلام، فارتفعت أصوات تنادي بإقامة الدولة الفلسطينية على جزء أو أجزاء، يتم تحريرها؛ من أرض فلسطين التاريخية( ).
وهو ما انعكس أيضا على تناول الرواية العربية -في أقطار العروبة- لقضية فلسطين، منذ بدء نكبة فلسطين، وهنا يحضر مفهوم "التمثيل السردي"، القائم في تشكلاته للمرجعية الخارجية على أساس وهدف، وهما إعادة إنتاج الواقع وتشكيله سرديا، وفق رؤية وغاية ما، ولهذا لا يمكن تقليص التمثيل السردي إلى وجود لغوي فقط، بل تتم معالجتها بوصفها مكونا مستقلا من مكونات وجهة النظر( ).
فجوهر السرد أن السارد يقدم الواقع أو المتخيل وفق طريقته المعروضة في المتن السردي، وحسب الزوايا التي تُقدَّم من خلالها، لغاية يرومها، فلا يمكن أن ننظر إلى السرد في متنه اللغوي فقط، وإنما ننظر إلى الكيفية التي قدِّم من خلالها، على مستوى الشخصيات والمكان والأحداث، وأيضا على مستوى "العالم السردي" نفسه، الذي هو -كما يذكر جيرالد برنس- سلسلة أو مجموعة من الحوافز (الأحداث) الموثقة في سرد معين، وتتخذ من ثم وضعية الحقائق، ويمكن التمييز بين عالم سردي حقيقي أو مطلق، وعالم سردي ممكن أو نسبي، فالعالم الحقيقي يشكل النطاق الواقعي للأشخاص الموجودين في السرد، أما العالم الممكن أو النسبي، فهو إعادة إنتاج أو تخليق للعالم، يقوم بها الأشخاص في الحكاية( ).
وإذا طبقنا ذلك على قضية فلسطين، فإن تمثيلاتها السردية في الرواية العربية الحديثة والمعاصرة تنوعت، ففي سنوات الخمسينيات والستينيات، أو ما يعرف بحقبة الحركة القومية العربية، جاء تصوير فلسطين وتمثيلها ضمن القضايا العربية الأخرى، مثل التخلف، ومحاربة الاستعمار، ومواجهة الطغيان، ممتزجة بشعارات القومية العربية، واستقلال أقطار العروبة، والحلم بالتحرر من الاحتلال الصهيوني، مثل سائر البلدان العربية، وظهر ذلك جليا في أعمال جبرا إبراهيم جبرا، الذي جعل فلسطين في موضع القلب في رواياته، ولكن ضمن سياق الفكر القومي العربي، ظهر ذلك في روايات جبرا إبراهيم جبرا مثل: البحث عن وليد مسعود (1978)، والسفينة (1970)، والغرف الأخرى (1980)، كانت فلسطين مركزية في أعماله، ضمن رؤيته لواقع العالم العربي وأزماته( )، هادفا إلى مزج قضية فلسطين مع قضايا العروبة.
فاستحضار البعد الأيديولوجي في قراءة التمثيل السردي، يساهم في إضاءة الكثير، وهذا ما يوضحه والاس مارتن، بأننا لا نجرّب السرد بوصفه خلاصة وافية لمقولات، وإنما بوصفه حركة كلية، تتميز أجزاؤها، وتشمل مجموعة من المواقف والآراء والاهتمامات التي تكوّن الموقف العقلي والعاطفي لشخص ما في علاقته مع العالم حوله( )، فقد امتزجت قضية فلسطين، بالتيارات الفكرية والإيديولوجية التي سادت في العالم العربي، طيلة تاريخها، ما بين قومية ويسارية وإسلامية، وحملت فصائل هذه الشعارات في مواقفها ونضالها ضد الكيان الصهيوني، وانعكس ذلك في التمثيلات السردية لفلسطين في الروايات العربية، في حقبها المتعددة، والثابت فيها أنها روايات تصوّر الواقع المعيش بكل مأساته داخل الأرض المحتلة، أو في مخيمات اللجوء، أو في المنافي والاغتراب، ونجد إشارات في المتن الحكائي للشعارات السياسية المرفوعة.
ففي أعمال غسان كنفاني المبكرة، صور لتضحيات الفلسطينيين ونماذج لهم، فقد استشهدت الشقيقة على أيدي المحتل، وأخفى البطل الخبر عن أمها عشر سنوات، حتى إذا قرر أن يخبرها بالحقيقة، كانت الأم قد رحلت، وهذا في قصته "الأفق وراء البوابة"، وفي روايته "رجال في الشمس"، هاجر عدد من الفلسطينيين إلى أرض الكويت مختبئين في خزان حديدي لمقطورة، وتركوا عائلاتهم في المخيمات، متمسكين بالأرض( )، وكشف هشام شرابي في رواياته خداع شعارات الغرب، وسقوط مقولاته عن الحرية وحق الشعوب، بعدما عاش فيه لسنوات، وعبر عن ذلك في روايته "الرحلة الأخيرة" (1988)، كاشفا عن معاناة الشعب في المخيمات الفلسطينية، لاسيما بعد هزيمة 1967، ونشاط المجموعات الفدائية، خلال الفترة من (1969- 1975)، معلنا أن النظام العربي الرسمي غير فاعل ولا مؤثر في القضية، وأن الحل يتجلى في حمل أبناء الوطن السلاح، وإعلان المقاومة( )، وهو نفس ما عبرت عنه سحر خليفة في روايتها "الصبار" (1976)، فقد مضغ أبناء فلسطين في الداخل والخارج الصبار، على أمل أن يتفتح الأمل الذي حملته روايتها زهرة "عباد الشمس" (1980) وقد أظهرت دور المرأة الأم، والأخت، والمجاهدة، في روايتيها، وقدمت نماذج من واقع الأسر الفلسطينية، التي أخرجت أبطالا مجاهدين( ).
وهذا لا يمنع، من وجود نماذج نسائية فلسطينية، تحدين التقاليد المجتمعية، وسعين إلى إثبات كينونتهن، ضد النظرة المتوارثة للمرأة، كما ظهرت المرأة الأم الصابرة، كما في رواية "صورة وأيقونة وعهد قديم" لسحر خليفة (2014)، عندما اُعتقل زوجها في سجون الاحتلال، في رواية "باب العامود"، لنردين أبو نبعة، (2017)( ). أما إميل حبيبي، فقد لجأ إلى السخرية، في روايته "اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974)، وتدور أحداثها حول سعيد أبي النحس المتشائل وهو فلسطيني من الأراضي المحتلة عام 1948 في فترة الحكم العسكري الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على المواطنين الفلسطينيين، وقد أوجد حبيبي كلمة جديدة، من خلال نحت كلمتي تفاؤل وتشاؤم، ليصور حالة عرب الأراضي المحتلة عام 1948 وهي التشاؤل التي تحمل معنيي التفاؤل والتشاؤم مندمجين، حيث يرتبط سقوط شخصية البطل بسقوط فلسطين في عام النكبة، بترحيله عن بيته في فلسطين، وترحيله إلى خارج الحدود، وخطاب الرواية شديد السخرية، وخط الرواية قائم على الخسارة الدائمة لذات البطل، والوطن، والحبيبة، وخسارة الابن، والأخلاق( ).
هذا، وقد عبرت عدد من الروايات عن تجربة الفلسطينيين الذين اضطروا إلى العيش في أرض الغربة والمنافي، وكيف حمل أبطال الروايات هموم الوطن، رغم عيشهم في دول الخليج أو في أوروبا، وكيف أن مشاكل أبناء الوطن في الداخل المحتل، أو في المخيمات في الدول المجاورة كانت حاضرة في خطابهم اليومي، كما في روايات "براري الحمى" لإبراهيم نصر الله (1985)، و"عبد الله التلالي" لعزت الغزاوي (1998)، و"ماجور ناجران"، لوليد سليمان (1995)، و"نجران تحت الصفر"، ليحيي يخلف (1998)( )، وكلها تصف واقع العمل في بلدان الخليج العربي، في الحقب الأولى من الثراء النفطي، وكيف أتى معلمون وموظفون فلسطينيون للعمل في قرى ومدن، لا تزال في بدايات النهضة.
لقد ظهرت فلسطين؛ الوطن، والشعب، والقضية والنضال، في روايات عديدة، كتبها روائيون فلسطينيون وعرب، وصوّرت الواقع داخل الأرض المحتلة، وفي مخيمات اللجوء، وفي المنافي والاغتراب، وكلها دالة على حضور القضية لدى الأجيال. إنه إبداع يسقط مقولة مؤسس الكيان الصهيوني "ديفيد بن غوريون"، وقد هتف بثقة يوما بعد إعلان قيام دولة الكيان 1948: "الكبار يموتون، والصغار ينسون"( )، والحقيقة أن الكبار حكوا، والصغار وعوا، والأحفاد أبدعوا، وما رأيناه على أرض فلسطين من بسالة ونضال وصبر، إنما هو معبر عن الوعي المتوارث بين الأجيال، الذي تحول لقنابل ثورية.
ثلاثية الأجراس لإبراهيم نصر الله:
تقدّم هذه الثلاثية عالما سرديا مختلفا عما ساد في موضوعات الروايات التي تناولت قضية فلسطين من قبل، وقد سعى مؤلفها إلى تقديم تمثيلات مفارقة للشعب الفلسطيني، مجتهدا أن يقدم بنى سردية متمايزة على مستوى المتن الحكائي، والشخصيات والأحداث، لنقرأ فلسطين من زوايا جديدة، ليست من المتخيل، وإنما بناء على تجارب واقعية، عاشها المؤلف إبراهيم نصر الله، المولود العام 1954 لأبوين فلسطينيين مُهجرين من قرية البريج جنوب غرب القدس، وفي المخيم رأى "الوطن كلّه في مكان واحد.. في منفاه" كما يصف، إلا أنه بوجود "تلك الأعداد الكبيرة من المهجَّرين من مختلف المدن الفلسطينيّة"، وحيث يحمل كل إنسان قريته ومدينته معه، من كل مكان عاشوا فيه، فلن يكون صعبا على نصر الله التنقل بين مدن فلسطين، التي لن يراها فعليا إلا بعد ذلك بعدة سنوات، والتعرف عليها ووصف شوارعها وبيوتها والأحداث المحورية التي دارت بها منذ نهايات القرن السابع عشر وحتى يومنا هذا( ).
لقد دشّن نصر الله مشروعه السردي من رحم إحساسه بالمعاناة التي عاشها مع أسرته في المخيم، أو رآها خلال سنتي اغترابه معلما في السعودية، ورغم أنه شاعر، وقد أصدر دواوين عديدة، ولكن السرد تشكل في نفسه كحاجة لابد من إتمامها، لذا، بعدما اكتمل في ذهنه شكل الاتجاه الملحمي في كتابة القصيدة، وأدرك أنه لابد من استيعاب الشخوص والأحداث، فلا مجال أمامه إلا الرواية( ).
تأتي ثلاثية الأجراس ضمن مشروعه الروائي "الملهاة الفلسطينية"( ) المؤلف من إحدى عشر رواية، تبدأ برواية "قناديل ملك الجليل"، وأحداثها تدور في نهايات القرن السابع عشر وتغطي القرن الثامن عشر بأكمله تقريبًا، (1689-1775)، ثم "زمن الخيول البيضاء" وأحداثها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وصولاً لعام النكبة، أي إنها تمتد لأكثر من 129 سنة من تاريخ فلسطين الحديث، و"طفل الممحاة" في بدايات القرن العشرين حتى نكبة سنة 1948، و"طيور الحذر"، وتدور في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، خلال الفترة الممتدّة ما بين (1967 – 1950)، أي ما بعد النكبة وما قبل النكسة، و"زيتون الشوارع"، ما قبل عام النكبة حتى أواسط التسعينيات من القرن الماضي، والأحداث تدور في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، ورواية "مجرد 2 فقط"، حول ما جرى بعد النكبة إلى ما بعد اتفاقية أوسلو سنة 1996، ثم "أعراس آمنة"، وهي عن قطاع غزة خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، و"تحت شمس الضحى"، في الضفة الغربية، وأحداثها تحديدا في رام الله خلال الفترة الزمنية التي تلت اتفاقية أوسلو والانتفاضة الفلسطينية الثانية. فيمكن القول إنه مشروع فلسطين الوطن والتاريخ والجذور، الذي يرسخ الهوية الفلسطينية، على صعيد الإنسان الفلسطيني المتفاعل مع أرضه، بتقاليد وأغان ولهجة ومفردات، وترصد في الوقت نفسه، ما جرى على الأرض من أحداث ومعارك، وموقف الشعب منها، في سردية متصلة في أزمانها، فمن يقرأ الملهاة مجتمعة، يطلع بشكل مباشر على تاريخ فلسطين، ليس التاريخ السياسي، وإنما التاريخ مصاغ ببنى حكائية، من خلال شهادات جمعها المؤلف من شخصيات عاصرت ما قبل النكبة، ثم عاشت اللجوء والمخيمات، أو ظلت تحت الاحتلال في الداخل.
والمفارقة في تجربة نصر الله، أنه كان من جيل الحداثة العربية، معاصرا لمقولاتها وشعاراتها الفنية والفكرية السائدة في الساحة، وقد وعى هذا جيدا، وأدرك مبكرا أنه لابد أن يأتي بنصوص سردية، تحدث قطيعة فنية وفكرية مع الروايات السائدة، وتؤسس لجماليات جديدة، على مستوى البناء والأسلوب( ).
وتشمل "ثلاثية الأجراس"( ) ثلاث روايات هي: "ظلال المفاتيح"، و"سيرة عين" و"دبابة تحت شجرة عيد الميلاد"، وعندما نقرأ الروايات الثلاث، نكتشف أنها تقدم ثلاثية روائية بمفهوم جديد، يخالف ما عليه مفهوم الروايات الثلاثية العربية، فثلاثية نجيب محفوظ "بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية"، تتناول تاريخ مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، من خلال أسرة السيد أحمد عبد الجواد، على مستوى ثلاثة أجيال، الأب، والأبناء، والأحفاد، شخصياتهم، وتقلبات الحياة بهم، وما جرى على أرض الوطن من تغيرات سياسية واجتماعية، أي أنها تقدم رواية عن شخصيات يتعاقب عليها الزمان، وهم يعيشون في القاهرة القديمة، فالأشخاص يحيون ويتفاعلون ويموتون، ونحن نقرأ وقائع حياتهم ومآلاتهم، أما ثلاثية الأجراس، فهي تقدم فلسطين من زوايا جِدّ مختلفة، فتصف الحياة المدينية، أو بالأدق مدن فلسطين، كيف كانت، وما حوته من جماليات المكان والبيوت والعمائر، إنها رواية تسهب في البعد الحضاري للشعب الفلسطيني، وتثبت أن فلسطين كانت أرضا ذات شعب، وليست كما يروّج المحتل بأنها أرض بلا شعب، وتقدم سردية وصفية ماتعة، عن تحضر الشعب الفلسطيني، وفنونه، وأصالته، وأيضا تنفتح على مكونات الشعب المجتمعية، من خلال تسليط الضوء على الدور المسيحي النضالي والثقافي في بيت لحم والقدس، وبيت ساحور بشكل خاص، وكيف ساهم مسيحيو فلسطين في العصيان المدني، خلال حقبة الثلاثينيات، وتعرض ما تميزت به الموسيقى والفولكلور الشعبي الفلسطيني، عبر تقديم شخصيات من ثلاثة أجيال فهناك شخصيات مسلمة، ومسيحية ويهودية، عابرة للعمل من أوله إلى آخره، وقد تم تمثيل الشخصية اليهودية، في تقاطعها مع الصهيونية والطريقة التي تم فيها احتلال فلسطين، لندرك أن الرواية تطرح مفهوما جديدا عن الثلاثية، حيث تصبح المدن الفلسطينية (القدس، بيت ساحور، بيت لحم) مع بعض القرى، وأيضا البادية؛ هي الخلفية المكانية للأحداث، ومسرح حركة الشخصيات، أما الزمان فهو ممتد منذ بداية القرن العشرين، مرورا بالثورة الفلسطينية الكبرى، حتى عام النكبة، فالمكان واحد وهو أرض فلسطين التاريخية، أما الزمان فممتد إلى نصف قرن، أما الشخصيات فهي مختلفة في مواقفها، وتقلبات الحياة بها، وأيضا في علاقاتها مع الآخرين، من أبناء الشعب الفلسطيني، ومكوناته، وأيضا مع جنود المحتل.
لذا، يمكن نعت هذه الثلاثية بأنها "سرد ملحمي" الذي هو الزمن الماضي (المنتهي) المميّز للملحمة، أو السرد التخيلي، ويتم التأكيد على الوضع الملحمي من عبر الجمع بين المعيّنات الزمنية( )، إنه مصطلح يتجاوز مفهوم الملحمة التقليدي، الذي يصوّر صراع الأبطال ومعاركهم، ويتمحور عادة حول بطل أو عدة أبطال، ولكن في هذه الثلاثية نكتشف أن الأبطال شخصيات بسيطة، ويمكن أن تكون هامشية، ولكنها فاعلة مؤثرة في مواقفها، وتتسم بأخلاقيات عالية، وقيم التسامح، والنضال المشترك.
تدور الرواية الأولى "ظلال المفاتيح" في قرية فلسطينية، هوجمت من عصابات الصهاينة وهجّر أهلها، وها هي "أم جاسر"، السيدة الفلسطينية، تقابل أحد الجنود اليهود، ويدعى "ناحوم"، وقد اضطر للاختباء في حظيرة منزلها، ولأنها ذات أخلاق عربية، وشاهدت شابا في عمر أولادها، فرفضت أن تسلمه لأهل القرية، أو تنتقم منه، فقد استجار بها، ووفرت له طعاما وشرابا، حتى عاد سالما إلى أهله.
هاجرت أم جاسر من القرية مع زوجها وأولادها، التي تم تدميرها تماما، وتفاجأ بأن "ناحوم"، قد عاد يسأل عنها، ويقدّم لها هدية، فتنظر إليه باحتقار، وتخبره أنه لم يوف بجميلها، فقد تسبب في حرمان الناس من بيوتهم وأراضيهم. بعد عشرين سنة، وقد كبرت أم جاسر وشاخت، فقررت العودة إلى مكان قريتها، فما زال عقلها يخترن كل تفاصيلها وشوارعها، وتفاجأ أهلها بعد ذلك أنها بنت القرية من جديد، "ولكنها بدلا من أن ترفع الجدران، كانت تضع خطوطا من الحجارة مكانها، تاركة للأبواب فسحات، وللسطوح مساحات، وللشوارع امتدادات، لم يكن ينقص القرية كي تعود..، إلا أن يبدأ الرجال العمل على بنائها"( )، وتكون المفارقة أنه يتم إرسال ناحوم مرة أخرى للتخلص من كل ما خططت له "أم جاسر"، ورسمته بالحجارة على الأرض، لتعود كما كانت أرضا فارغة، بلا بشر، ولا حجر.
رسالة الرواية واضحة صريحة، تنتصر للذاكرة الفلسطينية، والقيم العربية، وشيم الكرم والنجدة، التي تحلت بها أم جاسر، وأهلها، وكيف أنها متجذرة في الأرض، تسعى لعمرانها، أما "ناحوم" فهو عنوان لكل يهودي، لا يحفظ جميلا، ولا يعرف عهودا، يسعى إلى محو كل ما فلسطيني، ويدمره على أمل أن يمحو الجذور والهوية، ولكن هيهات، بين شعب متجذر في الأرض، ويهودي متسفل في الدمار والقتل.
الرواية الثانية "سيرة عين"، وتقدم سرد توثيقيا عن شخصية المصوِّرة الفلسطينية الرائدة "كريمة عبود (1893- ـ1940)، تلك السيدة، التي تمردت على فن احتكره الرجال، في النصف الأول من القرن العشرين، فقد أتقنت فن التصوير الفوتوغرافي، فلقّبت بـ "رائدة التصوير في فلسطين والعالم العربي"، فاستغلت أول كاميرا اشترتها في تصوير واقع المدينة والحياة والحقول والناس في حقبة مبكرة زمنيا، إبان وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ورحلت إلى مدن بيت لحم، والقدس، وحيفا، وغيرها، تتحدى العيون المتعجبة من هذه الفتاة التي تحمل كاميرا، وتلتقط كل تفاصيل الحياة، ومن خلال شخصيتها، نتعرف على معاناة أسرتها، لجأ السارد إلى الحكي بسلطة السارد العليم، من خلال ضمير الغائب، كي يقدم لنا كل أعماق الشخصية، وما صادفته من معوقات، وأحداث. المفارقة أن كريمة هي ابنة القسّ سعيد عبّود راعي الكنيسة الإنجيليّة اللّوثريّة في بيت لحم، أما أسرة القسّ سعيد، فقد تعرضت للقمع مثل سائر الشعب، فقد اعتقل الإنجليز ابنه كريم الّذي أتمّ العشرين من عمره، وهو "الشاب النحيل الأنيق صاحب الشاربين الأسودين، والشعر المسرَّح بإتقان"( )، بعد أن عثروا في جيبه على كتاب بالألمانيّة هو "آلام فارتر" للكاتب يوهان غوته فاتّهموه بالجاسوسيّة.، ساعتها كان الجنود البريطانيون يقبضون على كل عربي يشكّون فيه، ثم أفرج عن كريم، ليعود مريضًا بالسّلّ بعدما قضى أسابيع خمسة في التّعذيب، ثم يموت نجيب ابن القس وهو في الرّابعة من عمره، ويكاد يسرق ابنه الثالث الطّفل منصور حين سقط من الجرسيّة أثناء صعوده لقرع جرس الكنيسة، ثم الطفل يعيش مشلولًا وينتهي به الحال إلى مستشفى الأمراض العقليّة. بعد موت كريم تنتقل عدوى الموت إلى كاترينا، ثمّ الأمّ الّتي تسبق كاترينا إلى الموت، عاشت كريمة مع عمها، وتعلمت وأتقنت الإنجليزية والألمانية والعربية( )، وحملت كاميرتها دوما، تصوّر كل ما تشاهده، في أحياء المسلمين والنصارى، المساجد والكنائس( )، وقد شاركت أسرة القس في أحداث الثورة الفلسطينية، وكم كانوا سعداء، بعدما استمر إضراب الشعب وثورته ستة أشهر ( )، وأخفوا المقاومين وعاونوهم.
تزوّجت كريمة، وأنجبت ابنها سميرًا، ثم تمرض بشدة، لتنتهي الرّواية بموتها، وقد وضعوا كاميرتها بجانبها في نعشها، وفق وصيتها، فقد قالت: "أريدها أن ترافقني إلى القبر، لا أن تدفن معي، أريدها أن ترى كل الأشياء، التي لن أستطيع رؤيتها فيما بعد"، وكان هذا آخر ما همست به إلى أختها ليديا( ).
إنها رواية، اعتمدت أحداثها على شخصية حقيقية، تركت ألبومات كثيرة من الصور، عن الوطن الفلسطيني في هذه الحقبة الزمنية، لتكون ذاكرة مصورة للأجيال القادمة، تحكي عن تعاضد مسيحيي فلسطين مع مسلميها، بوصفهم عربا، يعيشون منذ قرون طويلة على أرض واحدة، بها مقدساتهم.
الرواية الثالثة هي "دبابة تحت شجرة عيد الميلاد"، وتتحدث عن الفتاة "مريم" التي حوت ذاكرتها أحداث القضية، منذ النكبة، وإلى يومنا، وكأنها تتابع ما بعد أحداث 1948، وتسجل تهجير الفلسطينيين وهدم قراهم، وقد قامت مريم بإيواء جندي صهيوني لجأ إليها، طالبا الأمان، فعاملته مثل ابنها عمر.
رصدت مريم وسجلت كيف حمل الفلسطينيون المهجرون مفاتيح بيوتهم، على أمل أن يعودوا قريبا، فقد ظنوا أن تهجيرهم سيكون لأسابيع أو لأشهر، ولم يدركوا وقتها، أنهم سيهجرون أيضا إلى المنافي وأراضي الغربة، فعاشوا في أرض الشتات، حاملين الوطن ذكريات وآلاما، وأيضا أحلاما وأمنيات.
رصدت الرواية أيضا، مواقف وأحداثا لما تم من قتل بعد النكبة إلى سنوات الانتفاضة، وما حدث للشعب، خاصة في مدينة "بيت ساحور"، من خلال شخصيتي إسكندر وإدوارد، وأهل البلدة، الذين تمسكوا بالأرض، ومضت بهم إلى زمن الانتفاضة، وشاهدوا كيف أن الشعب لم يستكن، وظلوا في ثورات متصلة، فقد كان الفلسطيني حريصا على غرس أشجار الزيتون، فإذا اقتلعها المحتل، عاد فغرسوها من جديد ( )، وقد جمع السجن أبناء الوطن، مسلمين ونصارى، فــ"في المساحات الضيقة، تتسع الذاكرة، وتصبح الحكايات أفضل وسيلة للتغلب على لزوجة الوقت الطويل"( )، فأفاضوا في الحكي، كلٌ سرد أمنياته ونضاله، ودوما كانوا يغنون في سهراتهم، ما غنوه في سويعات مقاومتهم "إحنا اللي رمينا الهويّة، في بيت ساحور الأبية، مسلمين ومسيحية، كلنا فلسطينية"( )، وتلك هي رسالة الرواية، بل رسالة الثلاثية كلها.
اعتمد البناء السردي في روايات الثلاثية على المقاطع المشهدية المعنونة، وكأننا أمام مشاهد سينمائية مكتوبة، جامعة ما بين الوصف والحركة والحوار، وهو ما عبّر عنه نصر الله قائلا: "إننا عندما نكتب أعمالا وتكون السينما والمسرح جزءا أصيلا من روح كاتبها، وثقافته، فإن هذه الأعمال تحضر عبر زاوية الإحساس الطويل بها ومعايشتها..، ولولا الانفتاح على الفنون المختلفة، لما كان بإمكاني الكتابة"( ).
فكل مقطع يحمل عنوانا، وبعده يأتي المتن السردي، حاويا الأحداث، وحركة الشخصيات، والغوص في أعماقها، وأيضا الحوار الذي جمع الفصحى والعامية، وتعمّد السارد ذكر مفردات كثيرة من القاموس الفلسطيني الشعبي، في الغناء والتراكيب، وأيضا في إثراء السرد بكل ما يعبر عن جغرافية فلسطين وثقافتها.
وفي ختام هذه الدراسة نصل إلى جملة نتائج:
أولا: إذا كانت فلسطين لا تزال رازحة تحت الاحتلال، إلا أنها ستظل حية حرة في أعماق أبناء العروبة.
ثانيا: برع الروائيون العرب والفلسطينيون في تصوير حقب تاريخها، ومقاومة شعبها، ومدى ثباته وتمسكه بأرضها.
ثالثا: قدمت ثلاثية الأجراس سردا ملحميا قيميا، ضفّر لحمة الشعب الفلسطيني بكل طوائفه وأديانه ومكوناته.
المصادر والمراجع
أولا: الكتب:
– ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية، فاروق وادي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1981.
– ثلاثية الأجراس، إبراهيم نصر الله، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2019.
– الرواية الفلسطينية والمنفى: الجزيرة العربية مكانا، دراسة في التجربة الروائية الفلسطينية، صالح خليل أبو إصبع، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2001.
– الغيم والمطر: الرواية الفلسطينية من النكبة إلى الانتفاضة، مصطفى عبد الغني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2003.
– قاموس السرديات، جيرالد برنس، ترجمة: السيد إمام، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 2003.
– القضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة، محسن محمد صالح، مركز الزيتونة للدراسات، بيروت، 2022.
– كتاب الكتابة: تلك هي الحياة، ذلك هو اللون، إبراهيم نصر الله، الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت، 2018.
– نظريات السرد الحديثة، والاس مارتن، ترجمة: حياة جاسم محمد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998.
ثانيا: المجلات والمواقع الإلكترونية:
– الرد بالكتابة في الرواية الفلسطينية النسوية، حنان العيسى، مجلة تبين، المركز العربي للأبحاث والسياسات، الدوحة، العدد (40)، ربيع 2022.
– الكبار يموتون، والصغار ينسون، أحمد الفقي، مجلة البيان، الرياض، 31/ 1/ 2020. https://albayan.co.uk/Article2.aspx?ID=9997
– الملهاة الفلسطينية.. رحلة نصر الله في دروب النكبة العربية، هند عبد الحميد، موقع الجزيرة نت، https://www.aljazeera.net/culture/2020/4/4/
