الأحد ١٤ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم عادل عامر

تشريع بلا شرعية

تشريع بلا شرعية: قانون قتل الأسرى الفلسطينيين ومخالفة مبادئ حقوق الإنسان

يُعد "قانون إعدام الأسرى" الذي صادق عليه الكنيست الإسرائيلي تشريعاً عنصرياً يرسخ سياسات الفصل العنصري (الأبارتهايد). يفرض القانون عقوبة الإعدام شنقاً كـ "عقوبة تلقائية" على الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين، مستثنياً الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم مماثلة

لقد شكَّلت هذه الزيادة الكبيرة في عمليات الاعتقال وارتفاع أعداد المعتقلين عاملًا ملحًا لدولة الاحتلال لإعادة افتتاح سلسلة من السجون، التي ورثتها عن الانتداب البريطاني، في البداية، ومن ثم توسيعها في وقت لاحق، وتشييد سجون ومعتقلات جديدة، بمواصفات وظروف أكثر قسوة وأشد حراسة، حتى وصل عددها إلى ما يقارب ثلاثين سجنًا ومعتقلًا ومركز توقيف، بعضها أغلق اثر اتفاقية “اوسلو” وغالبيتها العظمى ما تزال تضم بين جدرانها آلاف الأسرى.

تلك السجون التي جعلت منها دولة الاحتلال ساحة لتعذيب المعتقلين ومكانًا لزرع الأمراض، وأداة لإفراغهم من محتواهم الوطني والسياسي والنضالي والثقافي، ووسيلة لقتلهم معنويًا ونفسيًا. وما ذاك إلا لأنها ترى في الفلسطينيين أعداء لها، يجب التخلص منهم، أو على الأقل ردعهم.

أن عمليات الاعتقال اليومية التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، تشكل انتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان. حيث أن سلطات الاحتلال لم تلتزم بالضمانات الخاصة بحماية السكان المدنيين، ولم تلتزم كذلك بالقواعد الناظمة لحقوق المحتجزين وأوضاعهم. تلك الضمانات والقواعد التي تناولها القانون الدولي وأكد عليها وألزم دولة الاحتلال بالإيفاء بالتزاماتها في تعاملها مع الأسرى والمعتقلين المحتجزين لديها بما يُلزم احتجازهم داخل المناطق المحتلة ويحفظ حقوقهم وكرامتهم الإنسانية في تلقي الرعاية الصحية اللازمة والمأكل المناسب،

وتمكين عوائلهم من زيارتهم والتواصل الإنساني الدائم معهم، ومنع التعذيب وسوء المعاملة وعدم تعريضهم للاعتقال التعسفي، وكذلك حظر الاستخدام المطلق لأوامر الاعتقال الإداري وفقا للمادة (78) من اتفاقية جنيف الرابعة. وتُعد عمليات اعتقال المواطنين الفلسطينيين بشكل تعسفي، انتهاكاً للضمانات القانونية المتصلة بحظر الاحتجاز التعسفي، والتي كفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان، من خلال المواد (9) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948م، والمادتين (9) و(10/1) من العهد الدولي القانون استهداف القاصرين الأطفال وسجن ومحاكمة من هم دون الرابعة عشر عاماً،

وقانون رفع الأحكام بحق الأطفال راشقي الحجارة، وقانون تشديد عقوبة الحد الأدنى على راشقي الحجارة في القدس، قانون التغذية القسرية للأسرى المضربين عن الطعام، قانون إعدام الأسرى، قانون مكافحة الإرهاب، قانون القومية، قانون التفتيش الجسدي والعاري ودون وجود شبهات، قانون إعفاء المخابرات من توثيق التحقيق، تطبيق القانون الجنائي الإسرائيلي في الأراضي المحتلة لصالح المستوطنين، قانون إدانة فلسطينيين دون شبهات، قانون إلغاء الإفراج المبكر،

قانون منع العفو، قانون طرد عائلات منفذي العمليات من الأسرى والشهداء، قانون خصم مبالغ مالية من عائدات الضرائب توازي حجم المستحقات التي تدفعها السلطة الفلسطينية لعائلات الأسرى والشهداء، قانون حرمان الأسرى من التعليم، قانون اعتراف المحاكم المدنية الإسرائيلية بقرارات المحاكم العسكرية في إسرائيل، قانون منع زيارات أسرى ينتمون إلى منظمات فلسطينية تحتجز إسرائيليين، قانون يسمح باحتجاز جثامين الشهداء، وليس آخرها قانون عدم تمويل العلاج للجرحى والأسرى. هذا وأصدر وزير جيش الاحتلال السابق أفيغدور ليبرمان أمراً اعتبر من خلاله “الصندوق القومي الفلسطيني” منظمة محظورة، وهو القرار الأول من نوعه ضد هيئة أو منظمة تابعة للسلطة الفلسطينية منذ توقيع اتفاق اوسلو عام 1993م، وسوغ ليبرمان قراره بدفع الصندوق رواتب شهرية للأسرى الفلسطينيين وعائلات الشهداء

بالإضافة الى ما أقره مؤخراً وزير الأمن الداخلي “جلعاد أردان” والتي جاءت نتيجة توصيات خلصت إليها لجنة كان قد شكلها لغرض تقييم أوضاع الأسرى وتقديم مقترحات لتضييق الخناق على الأسرى، وكان من أبرزها: إلغاء التمثيل الاعتقالي وأنهاء حالة الفصل التنظيمي فيما بين الأسرى، وتقليص الأموال المسموح إدخالها للأسير عبر ذويه، وتقليص المواد الغذائية المتوفرة في مقصف السجن “الكانتينا”، وسحب أدوات الطهي من الغرف، وتقليص مدة “الفورة” وزيارات الأهل، في محاولة لإعادة أوضاع الحركة الأسيرة الى المربع الأول وكما كانت عليه أوائل سبعينيات القرن الماضي. خاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1976م.

إن المشهد مرعب تماماً، وأن رزمة التشريعات العنصرية التي أقرها الكنيست الإسرائيلي خلال دورته العشرين، تأتي ضمن سلسلة طويلة من التشريعات التي تستهدف الوجود الفلسطيني ككل، الأرض والإنسان، وفرض الهيمنة الإسرائيلية على جانبي الخط الأخضر، إلى جانب القوانين المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين، ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا، والتي تهدف جميعها إلى توفير الغطاء القانوني للانتهاكات التي ترتكبها سلطات الاحتلال بحق الفلسطينيين المدنيين، وتحمي بموجبها مرتكبي هذه الانتهاكات وتحصّنهم ضد المساءلة والمحاسبة وبالتالي ضمان إفلاتهم من العقاب، ما يشجع قواتها على ارتكاب المزيد من الانتهاكات والجرائم. وهذا ما يعطي الكنيست الإسرائيلي وصفًا شاذاً بأنه الأكثر عنصرية ومعاداة للديمقراطية في تاريخ دولة الاحتلال، وأن إسرائيل هي دولة أبرتهايد بامتياز.

إن قراءة متأنية لنصوص تلك التشريعات والقرارات، نلحظ انها تصادر أبسط حقوق الأسرى والمعتقلين الإنسانية، على اختلاف أجناسهم وفئاتهم الاجتماعية والعمرية، كما وأنها تشكل خطرا على مكانتهم القانونية ومشروعية مقاومتهم للاحتلال. كما وتظهر مدى تحلل دولة الاحتلال من أبسط التزاماتها تجاه القانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان الدولي، حيث يفرض الأخير أن تتوائم التشريعات الوطنية مع التزامات الدولة الناشئة عن انضمامها في اتفاقيات دولية. وحيث لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتذرع سلطات الاحتلال بالدواعي الأمنية لتسن تشريعات وقوانين تشكل خرقاً جسيماً لقواعد القانون الدولي وللاتفاقيات الدولية.

إن إمعان إسرائيل، قوة الاحتلال، في سن تشريعات وممارسة سياسات عنصرية دون رادع سياسي أو قانوني أو أخلاقي لا يمثل انتهاكاً سافراً لحقوق الشعب الفلسطيني فحسب، بل يجسد خرقاً فاضحاً لمبادئ القانون الدولي، وإصراراً غير مسبوق على تحدي الإرادة والشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتقويضاً لرؤية حل الدولتين الذي يحظى بدعم أطراف المجتمع الدولي.

إن هذا الأمر يعكس نهج معسكر اليمين المتطرف الحاكم في إسرائيل والذي يتجه أكثر فأكثر إلى التحالف مع القوى اليمينية المتطرفة في العالم، مدعومة بقرارات متطرفة تصدر عن الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب والكونغرس الأميركي.

أن هذا الواقع يستدعي من المجتمع الدولي التدخل العاجل والتحرك الفوري لضمان وقف العمل بتلك القوانين والقرارات العنصرية بحق الأسرى والمعتقلين، والعمل على توفير الحماية لهم، ووقف الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال وتطال كافة حقوقهم. حيث أن العدالة لن تتحقق في الأراضي الفلسطينية دون إجبار دولة الاحتلال على احترام مبادئ حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني.

أن هذا التشريع يُجسد نهجًا تمييزيًا خطيرًا ويُفاقم من حدة التوتر، بما يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوض فرص التهدئة، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك العاجل والحازم لوقف هذه الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان حماية حقوق الشعب الفلسطيني. والتي تمثّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، بما في ذلك قواعد القانون الدولي الإنساني، وتعديًا جسيمًا على حرية العبادة وحق الوصول إلى أماكن العبادة دون قيود.

أن تحويل الإعدام إلى قانون يطبق على الأسرى الفلسطينيين يعد استمراراً لسياسة الإبادة الجماعية التي ينتهكها كيان الاحتلال ضد أصحاب الأرض أبناء الشعب الفلسطيني، ولن نذكر بأن هذا القرار انتهاكٌ لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب، ولكل المبادئ التي قامت عليها العدالة الإنسانية؛ لأننا نخاطب كيانًا دمويًا لا يعترف بالقانون الدولي، ولا يعترف بالعدالة الإنسانية، ولا يعترف بغضب شعوب العالم الحر، وإنما نؤكد أن هذا القرار سوف يفتح الباب أمام مرحلة أكثر دموية في الصراع، سوف تنال من أمن الكيان الصهيوني وأمن داعميه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى