الخميس ٢٩ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم رانيا مرجية

بكفّي…

لم تبدأ الشرارة في سخنين، لكنها هناك انكشفت بلا مواربة.

في مدينةٍ تحمل ثقل الأرض والذاكرة، خرج الصوت لا بوصفه ردّ فعلٍ على حدثٍ بعينه، بل كتعبيرٍ عن تراكم طويل من التهميش البنيوي، والعنف المُقنَّع، وسياساتٍ حاولت على مدار سنوات إدارة الوجود الفلسطيني في الداخل لا الاعتراف به.

ما جرى في سخنين لم يكن استثناءً، بل لحظة كاشفة لانهيار سردية كاملة. سردية روّجت لفكرة “الاستقرار” بينما كانت تُفرغ المواطنة من مضمونها، وتُعيد تعريف الحقوق باعتبارها امتيازات قابلة للسحب. هناك، سقط وهم التعايش حين يُستخدم كغطاء لاختلالٍ عميق في القوة، وحين يُطلب من الفلسطيني أن يكون دائمًا الطرف الأكثر عقلانية داخل معادلة غير عادلة.

الهبة الشعبية المستمرة اليوم، والمتجهة نحو تل أبيب، لا يمكن قراءتها كمظاهرة عابرة أو موجة غضب آنية. إنها انتقال واضح من موقع الاحتمال إلى موقع المساءلة، ومن الصبر القسري إلى الاحتجاج الواعي. “مسيرة الرايات السوداء” ليست تعبيرًا عن اليأس، بل فعل احتجاج أخلاقي، يعلن نفاد شرعية منظومةٍ فشلت في توفير الحد الأدنى من العدالة لمواطنيها الفلسطينيين.

الراية السوداء هنا ليست رمز حداد، بل موقف سياسي وأخلاقي.

هي لغة بصرية تختصر ما عجزت الكلمات عن قوله: واقع لم يعد يحتمل التجميل، وعقد اجتماعي جرى تقويضه تدريجيًا عبر سياسات الإقصاء والتمييز، والتعامل مع الفلسطيني كملف أمني أو رقم إداري، لا كإنسان كامل الحقوق.

ما تطالب به هذه الهبة ليس انقلابًا ولا فوضى، بل كشفًا لطبيعة النظام القائم.

مطالبها في جوهرها بسيطة، لكنها جذرية في دلالتها: عدالة غير انتقائية، مواطنة غير مشروطة، وحق في الحياة الكريمة لا يُربط بالولاء السياسي ولا يُدار بمنطق الترهيب والاحتواء. هي مطالبة بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها الفلسطينيين، خارج خطاب المنّة وخارج سياسة “الاستثناء الدائم”.

اختيار تل أبيب كوجهة للمسيرة ليس تفصيلًا عابرًا.

إنه فعل سياسي محسوب، يهدف إلى كسر العزل الرمزي والجغرافي المفروض على الفلسطيني في الداخل. الوصول إلى مركز القرار، إلى قلب الرواية الرسمية، هو نقل الهامش إلى المتن، وإجبار المركز على مواجهة ما سعى طويلًا إلى تجاهله. الرسالة واضحة: هذه ليست قضية أطراف، بل أزمة بنيوية في صميم النظام السياسي.

الهبة الشعبية تكشف أيضًا أزمة عميقة في الخطاب السياسي السائد. لم تعد لغة الوعود، ولا لجان الفحص، ولا خطابات “التهدئة” قادرة على احتواء شارع بات أكثر وعيًا بآليات السيطرة الناعمة. شارع يدرك كيف تُدار الأزمات لتدوير الغضب بدل معالجة جذوره، وكيف يُطلب من الضحية باستمرار أن تكون أكثر عقلانية من النظام الذي يمارس العنف باسم القانون.

“بكفّي” ليست شعارًا انفعاليًا، بل موقفًا معرفيًا وأخلاقيًا.

هي رفض لتحميل المجتمع ثمن صمته، ورفض لمعادلة تُطالب المقموع بتبرير ألمه. هي لحظة يقول فيها الناس إن كلفة الصمت أصبحت أعلى من كلفة الاحتجاج، وإن الخوف لم يعد أداة ضبط حين ينكشف الظلم بهذا الوضوح.

هذه الهبة ليست حدثًا عابرًا، بل مسار مفتوح.

مسار يعيد تعريف السياسة بوصفها فعلًا جماعيًا في الفضاء العام، لا تفاوضًا خلف الأبواب المغلقة. يعيد الاعتبار للشارع كمساحة إنتاج وعي، وللصوت العالي كحقّ لا كخطر، وللاحتجاج السلمي كأداة مساءلة لا كتهديد.

الهبة الشعبية مستمرة، لأنها لم تعد مرتبطة بشرارة أولى، بل بوعي جديد.

وعي يدرك أن ما قُدِّم طويلًا كقدرٍ محتوم، ليس سوى خيار سياسي قابل للمساءلة والمواجهة.

ووعي كهذا، حين يتشكّل، لا يتراجع


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى