الطاكسي 69 والديوث
استفقت على رنين الهاتف المزعج، لعنت المتصل في الساعة المتأخرة من الليل، من عادتي إغلاق الهاتف لأتجنب الإزعاج من مطالب مستعصية منفلتة من قاموس السقوط في الأخطاء، مرة أيقظني صديق ورجاني أن أزوره في المستشفى لان والده مريض والطبيب المداوم رفض تقديم الإسعافات الأولية، في الشهر الفائت ناشدني جاري في الرابعة صباحا أن أرافقة إلى المخفر لان ابنه اعتقل في حالة سكر طافح، نحن في دولة تحتاج دائما إلى شفيع وقوة لتهش بها الهياكل المتقاعسة وتقلم أظافر البيروقراطية في مؤسسات الشعب، تستعمل علاقاتك الاجتماعية لتقديم خدمة، في مقابل خدمة غير مشروعة ثمة خدمة أخرى مشابهة، الهاتف النقال مساوئه اكثر من حسناته، التكنولوجيا الحديثة لا تصلح أبدا للشعوب المتخلفة، لا يصلح العلم لرؤوس يملأها العفن والخرافات والحقد، ومن تقرع طبول الحشر وعذابات القبور بين الأضلع، الشعوب المتخلفة غارقة في أدغال الموانع والمحرمات تحتاج لآلاف السنين لتتخلص من وصايا الشيخ والتبعية العمياء للمشعوذين، دفعت الأغطية جانبا ولطمني البرد وارتعشت مفاصلي، جلست على حافة السرير أتلمس العتمة بتثاؤب وعياء ما تبقى من حلم مطرز بالدفئ اللذيذ، الساعة تشير إلى الواحدة والنصف صباحا، لم انم سوى بضعة دقائق تقريبا، الهاتف اللعين لا يكف عن الرنين، رنة لا اعرف من أية مقطوعة موسيقية مبتورة، تستفزني رنات لمقرئين تحمل جرعات الوعيد وسكرات الموت العبثي لمسافر يزحف نحو الاندثار، أصوات نشاز تقرع أبواب المخيلة على عجل وتزرع في النفوس أحلاما بائسة، فقهاء يهددون باسم الله وهم اشد أعداء الدين، رنات لأصوات الشيخات ومغنيي الشقق الحمراء والمراقص الليلية، أصوات ممزوجة بمشاعر الزهو واللامبالاة والدعوة إلى العربدة والمجون، يقال ان الارتباط بجنس غنائي معين يعكس شخصية الفرد ومستواه الفكري والمعرفي، فلا يعقل مثلا أن يحتك جاهل بأغاني الثورة والثوار وسكير بالابتهالات والبسملة والحمدلة.
خيوط النور تتسرب من الزجاجة اللماعة تضيء الحجرة، حدقت بإمعان في اسم المتصل المتهور احمد الحماري سائق الطاكسي 69، لعنته مرة أخرى في الخيال، الوغد افسد سفري الفيروزي واستلقائي المريح على أرصفة الغياب، ما زلت أحن جالسا إلى شاطئ الأحلام تحت الأغطية، ضغطت على الزر في أعياء.
– الو
– لبس مزيان راه جو تاع شتا..وخرج راني قدام الباب
– واش غتخلصني ولا غير للشفوي
– كلشي ديالك
السماء ملبدة بالغيوم الكثيفة، البرد قارس والرياح تصفع الوجوه، قطرات المطر في زاوية مستعصية من الفضاء الواسع، حتما ستمطر بشهادة البرق الذي يمزق السكون، في جلباب صوفي ثقيل يقمط الجسد الهزيل، قصير القامة واكثر ما يثير الانتباه الرأس الكبيرة الفارغة من الشعر، راس أشبه برؤوس الكائنات الفضائية في سينما الخيال العلمي، الشوارع مقفرة إلا من بعض الراجلين، هاتف الحماري لا يكف عن الرنين، جل المتصلات شابات يحتجن إلى توصيلة آمنة إلى وجهات محددة، يطوف طواف العاشقين على أماكن اللقاءات السرية يزف الشموع المضيئة للزغاريد الصامتة، أجساد شبه عارية تركب وأخرى تغادر والباب يصفق، يتركن رائحة العطر أو بعضا من القفاشات، لكل واحدة قصة مختلفة عن الأخرى، جميعهن متشابهات في السقوط ومعانقة الحضيض، باسم الحب فرطن في العرض والشرف، جميع بنات الليل يتهمن الآخر بالاستغلال الجنسي، الآخر الخسيس والحقير دفعهن إلى الانحراف، ولا واحدة اعترفت أنها مسؤولة عن وضعها المخزي، يهربن من سؤال لماذا لا يتوقفن عن استئجار الأحواض، من عادة الإنسان العربي أن يلصق الفشل بالآخرين، كل المصائب والسقطات تعلق على مشجب الآخر، تزل ارجل المؤمن المتعبد ويرتكب المعاصي ويلصق السقوط بالشيطان المتربص بالآخر، الشعب الفقير ضحية الآخر الأكثر ذكاء وتجربة وحنكة، خمنت ان اغلب ممارسات البغاء ينتهين وسيطات للدعارة أو مشعوذات والمحظوظات منهن من يستطعن تكوين عائلة.
يزمجر البساط الداكن حانقا ويكفهر وجه الإسفلت، يندمج الظلام في الظلام، بدأت السماء تسح دموعا مدرارة، أمطار الخير تفرح الفلاح في الأرياف وتغضب ساكني المدينة الذين لم يتوجهوا بالدعوات للخالق للاستسقاء، الطلب على الطاكسي يرتفع خوفا من الوحل والبلل والهجمات المباغتة، بعض الأزقة المظلمة تحمل في الجوف تهديدا حقيقيا، معدلات الجريمة مرتفعة في المدينة، والشرطة لا يمكن إن تتواجد في جميع الأمكنة، بدأت تتكون برك مائية صغيرة ولا تلبث أن تكبر، روائح كريهة تهرب من المجاري وتعلق بالهواء، اغلب بالوعات المياه مغلقة بالنفايات أو مهشمة، في النهار يحتاج الراجل إلى قوارب النجاة ومجاديف للانتقال من رصيف إلى آخر والحذر من المركبات التي تمر مسرعة وتشطر المياه إلى شطرين ينقذف بقوة، بعض الأزقة غارقة في الظلام الدامس أشبه بالقبور، الخوف يسكن الأبواب والنوافذ، اغلب السائقين لا يغامرون بعيدا عن الأضواء لتجنب الأذية، في الشارع الكبير استوقفه شرطي مرور بزي العمل يقطر ماء، نفض القبعة المقعرة وتناثرت قطرات الماء، لعن المطر المباغت الذي غسله من الرأس إلى الأرجل، لم يجد مكانا للاختباء في المكان العاري، لا بروزات منازل، واقيات الدكاكين بعيدة، التعليمات تقضي بالتمترس في زاوية الشارع ومراقبة المركبات، اقله إلى احد الأحياء البعيدة بالمجان، شرطي المرور سيغض الطرف عن المخالفات وتجاوز العدد المخصص، في كل مرة يقرأ تاريخا من الحرمان ويطلق قفاشات من تجاعيده النافرة، حفظ عن ظهر قرب أصوات بائعات الهوى السخيات، الكريمات، بدون انتصاب و أغراءات تصاب الجيوب بالتصحر والكساد، يترنح المجون على الأرصفة، في النفوس يرقص الشيطان الرجيم، ينفخ الشهوات في الأبدان، تتجدد الصور كل ليلة، تتوالد، تتكدس في مجاري الضجيج والسكون، يفرك الأيدي، يتلفع بالصمت لهنيهات كأنما أمسكت به شرطة اللغو وانشغل بإعادة ترميم الأعطاب،ثمة صوت غريب في المحرك، أصاخ السمع طويلا تمتم كلاما مبهما، رفع غطاء المحرك، راقب مستوى الزيت والماء، بحث عن قطع تفوح منها رائحة العطب، شكر الله وقبل وجه وظهر اليد، كل شيئ على ما يرام، الإصلاحات وشراء قطع الغيار تكلف كثيرا، المحرك يزار، يفرمل، يصفق الباب، يرتفع الدخان العادم اسودا فاحما، ثمة مشكلة في المصفاة نسي تغييرها، يسمع رنين الدراهم وخشخشة الأوراق، همسات تنفلت من مربعات الفرح والرضا، ضحكات متهتكة وغنج ودلال، منشرح الأسارير يحسن اختيار الزبونات، الدفع المسبق دون تلكؤ عنوان الولوج إلى المفكرة، الليل الطويل ما زال يقيم الولائم لأوعية تدحرجت على أسرة المجون، الحالم بالأمسيات الصاخبة يحتضن بندقيته على تخوم الطلقات منتظرا الفريسة، الأجساد الموعودة للإيلاج ونشر الحبور يمسحن عن الزناد كومات الغبار، يشعلن القناديل لإضاءة الطرقات كلما أقعى المساء، في لحظات انسجام تحرر المخيلات من الضغائن والملل وشظف العيش، الساعة الرابعة صباحا تمكن مني الأعياء، الجلوس لساعات مكورا في المقعد الأمامي و التعرض للسعات البرد شيئ مقرف وممل، رمقت وجوها نسائية تتشابه في الحركات والتبرج ورائحة العطور، شبه عاريات لم ينل منهن البرد القارس شيئا، سمراوات بشعر اشقر، وبيضاوات اقتلعن الحواجب ورسمن خطا والصقن رموشا طوالا، يحاورن بالموضة أرخبيل الإغراء لتثور سيقان اللوعة، جميعهن لطيفات، تعبات، هادئات يشتمن الزمن القاسي الذي دحرجهن إلى المنحدرات الصعبة، يدفعن بسخاء ويشكرن السائق اللطيف والمتفهم بلباقة، خمنت أن الطاكسي ماخور متنقل، ومن غرائب الصدف أو لربما لحكمة ألاهية مبهمة أن تحمل المركبة رقم 69 ذي إشارات ودلالات وحركات وإيحاءات جنسيه وقحة، كما يعد علامة تجارية للعلاقات الشاذة ورمز لأشهر قنوات الأفلام الإباحية في أوربا، لا علاقة لهذا التزاوج بما يسمى القدر، تساءلت عن الروح الخفية التي أمنت الالتحام بين الرقم المستفز للمشاعر وسائق مغبون يشتري بالوساطة ترفا على ذمة المحرم، في المخيلة تستريح رزم الأوراق الزرقاء، انهزم الوعي والمبادئ واندثرت الشعارات البراقة، لاحت أمامي الوقفات الاحتجاجية لحملة الشهادات المعطلين بالوطن، شعارات نارية تهدد بالطوفان والانقلاب على الجاهز والمتكلس في أروقة الدولة، افتح دفاتر الأمس تطاردني ملامحه الشاردة والقسمات الشاحبة، عود الأرك في الفم دائم في شحذ الأسنان، يريدها ناصعة البياض، سكاكين حادة لقطع شرائح اللحم المشتهاة، تعلو أصوات الحناجر تمطر الحاكم بوابل من القذائف، أحلام عراض تهرول نحو المستقبل المجهول، حين يداهمه الفشل وقسوة الردود على كلام ارتجالي مهادن يتمسح بالمعطلين المتنفذين في التنظيم، لا يخجل من الوقوف في الجهة الخطأ لينال الرضا، تزوره الخطيبة في المعتصم، عيناها ليستا بريئة وتلبستني الظنون في أول لقاء عابر، تتحد حواسي لتحنيط صورة لفتاة ذات الجيوب المثقوبة والنظرات الداعرة وحركات الغجريات، أطول من العشيق الولهان بكثير، بحثت عن الرابط بين الاثنين كلاهما يتحذر من سلالة القحط، يجلسان في المقهى يتجاذبان أطراف الحديث، حين يعجز عن تقديم أجوبة يبدأ بشرب جرعات متلاحقة من الماء، ينهزم في الحوار ويصاب على غفلة بوابل من كدمات الخيبات، والحبل ملتف حول العنق وسقطت التعابير في مفرمة الكلمات، وتقرض في الحوباء أظافر الابتسامات، فتنسكب خميرة العلقم في قاموس الهوى.
– واش غادي نبقاو مخطوبين علاش رافضة نديرو لعقد
– انت شمور خصك حتى تخدم...زواج خصو مصاريف كثيرة ولا بغيتي نسكنو عند والديك وصرفو علينا
– عادي حتى نوقفو على رجلينا
– واش باك كيتقاتل مع الوقت بالكروسة باغي تزيدو المشاكل
– راني ما جالس كنقلب هنا ولهيه..واي فرصة جات غنتلاح عليها
– وخلينا هكا
ابتلع الوجع حين استدرج إلى مائدة البكاء، انقطع الدفئ والتلاحم عن نبض الحروف، وقرا آيات الصبر خوفا من سفر الخيانة والطعن في حمم الفحولة، سمع الكثير عن مغامرات الخطيبة، لا يريد أن يصدق حتى لا يسقط فريسة للنهش الداخلي، نظرات الاحتقار حارقة ومؤلمة، تسكب المرارة على أوتار الوجع، تطول لائحة الاتهامات وطقوس الغمز واللمز من الأوباش،كلام قبيح يثقل على الأنفاس و لا سبيل للرحيل عن مستنقع التقطيع والصلب سوى باللامبالاة، الحياة غرفة إعدام ممتلئة بالمفرمات وكل الدروب تقود إلى الرجم، يبحث عن ذاته دون جدوى، فتاته تنتظر فاتحة الحضن على حافة الأوردة، والشفاه متورمة من نيران الحرمان، يشتهي الجسم الفارع الطول يريد أن يرسم قبلات الهوى الصاخب بين هضاب النهود، طبول الرغبة تقرع أجراسا في الأشلاء، في بحث دؤوب عن بحر هائج بين الضلوع يقذفه إلى أمواج الخطيئة، يراها آية في الجمال، ومن الروعة والهيام اغتيل الإدراك، حب من جهة واحدة أشبه بجنين مات في بطن امه قبل أن يطلق الصرخات الأولى إعلانا بالوجود، تنتابه في الذهاب والإياب نوبات اختناق، وتلهو أسراب الظنون فوق الصدر ويتقيح الجرح المفتوح، متسول يمشي في جنازات الإخفاق يرتشف آخر جرعة من أكسير الصبر، يخاف أن يلقى على قارعة الطريق بكلمة طائشة، امزجة النساء صعبة الفهم والضبط، لا يهمه من فتاته سوى ما يجعله فرحا أما الأجزاء السيئة لا يعيرها أية قيمة.
بعد التمسح والركوع أمام أبواب الأسياد حصل على رخصة الثقة لسياقة الطاكسي، ركل بقسوة جمعية المعطلين وانغمس في جمع الدراهم، مزق الشهادة الجامعية في ليلة غضب، الشهادة العلمية في الوطن لا تساوي بصلة، لا توصل إلى ضفاف الأمان ، الذين يحكمون غارقون في الجهل، يريد أن يتسلق منعرجات الثروة يطوي المسافات، يأتي الصوت من الداخل مقنعا، هادئا، محفزا، قطرة قطرة يفيض الوادي، منشرح الأسارير اكثر زهوا ونشاطا، انبلج الصبح أخيرا وتفتحت الآمال في وضح الدهشة، ضمه سائق محترف يعاني من الأم المفاصل ليتقاسما أعباء السياقة، فكر في الليل المفعم بالحنو والقسوة، بالهدوء والضجيج، اقتنى عصا غليظة تنتهي براس في حجم كرة المضرب، وضعها تحت المقعد تحسبا لجميع الاحتمالات، الطرقات مليئة بالمفاجئات السارة والقاسية، عليه أن يكون مستعدا للدفاع عن رزقه، الأوغاد لا يأتون بالطبل والمزمار لتنفيذ عمليات السطو، يتسللون كالهواء من حيث لا يدري الإنسان، واغلب الشوارع في المدينة عمياء ليلا، دائما ممنطق بحقيبة صغيرة سوداء مليئة بالقطع النقدية، اشفق عليه يبحث عبثا عن موطئ قدم فوق ارض صلبة، يختار العمل ليلا رغم المخاوف المستبدة على الدوام، بحاجة إلى الرفقة والحماية، يضيء الليل بالهرج والصيد الثمين ويرتفع الإيراد، القلق الجميل حاضر في الدماغ، باسم الخمر وحبوب الهلوسة وجرعات المخدرات الصلبة تنشب حروب دامية بالسكاكين، يرتفع منسوب الجرائم، المرافق الصحية تستقبل الأجساد المشروخة على مدار الساعات، المخافر تتكدس بالموقوفين على ذمة السكر الطافح والفوضى والعراكات التافهة، في جنح الظلام ينشط المتزحلقون على حبال الفتوة والرعونة، قوادون، شحاذون، عاهرات، لصوص، تكسر جرار الصمت بالكلام الخشن لزبناء مغيبين بالمرض او السكر الطافح، الشارع يغص باﻻ---ف الصور المقلوبة والحكايات الذبقة الاستفزازية الممزوجة برياح الخيبة والخذلان لعشيقات اخلفن الميعاد في ليلة الصخب والمرح واللهو، نساء ذات البريق المستفز بأنوثة مضمخة بالمساحيق والعطور الرخيصة، أجساد منتهية الصلاحية لا تنتشل غريقا سقط في بركة الغرام لكنها تطفئ لهفات منفلتة من كؤوس الراح والأقراص المهيجة.
تغوص الهياكل في الطاكسي الصفراء الرابضة قرب الفندق، يلمع محيا السائق ويفرك اليدين، بريق منبثق من الداخل لا يوصف، معزوفة تنعزف خارج مغزى الكلام، يقبض ثمن التوصيلة ويدس الأوراق تحت المقعد، لم يعد يثق في الركاب مثيري علامات الاستفهام، تعرض للسرقة في السنة الماضية، رجاه الراكب التوجه خارج المدينة ضدا على القانون، تردد في بادي الأمر حين شقشقت الورقة الزرقاء أذابت حبال التردد، أزال علامات الطاكسي من على السطح، الشريط الموسيقي يصدح، المغنية الشعبية الأمازيغية تتحدث عن الزمن الماكر والغادر، عن الإنسان المتقلب الطباع، الجالس خلف السائق يتمايل، يصفق بكلتا يديه منشرح الأسارير، الطاكسي تجاوزت المدار الحضري، أضواء المدينة الخافتة تظهر من بعيد، سكت المحرك وظلت المغنية ترسل الآهات، التفت إلى الراكب ليأمره بالترجل، لمعت السكين وامتدت إلى العنق، أمره بالصمت والهدوء، لا حركة ولا ردة فعل، امتدت اليد الأخري إلى تحت المقعد سحبت رزمة الأوراق و حفنة القطع المعدنية من الحقيبة، فتح الباب بقوة وغاص في الظلمة، لبسه الاعتداء المباغت وشل الحركة، نظرات ساهمة تنغرز في كف النجوم، جرعات ألم تنساب في حقيبة الأشلاء، استفاق من صعقة الضربة في مخفر الشرطة، سجلت القضية ضد مجهول، ذكرى تعوي في الدماء فيستيقظ الخوف الشديد، والفراشة العطشى ستظل تحوم بحماس حول منبع النور، أجساد تتحرك خارج أسوار الزمن من عقال الضغط اليومي، أرواح شاردة تحرس الأزقة والشوارع المحفرة، محطة البنزين ملتقى السائقين تعج بالتذمر وكلام يومي عن قلة الرزق، الكل يشتكي ويلعن الزمن العجيف، يتعثرون في مشجب المصاريف وتكاليف إصلاح المركبات وواجبات كراء المأذونية، التشكي اصبح طقسا يوميا، والذين لا يشتكون قطعا غارقون في النعيم، يسحب خرقة من جيب في الباب وقنينة ماء، يرش الزجاج الأمامي، يزيل بقايا الغبار، يشغل ماسح الزجاج، يمرر الخرقة على الواجهة الأمامية والجوانب، مزق أضلاع جريدة يومية و أزال بقايا الماء من على الزجاج الملمع، حين تمطر يكتفي بماسح الزجاج، يستعد للرحيل إلى أحزمة الفقر الناسفة، يسامر مقودا صعب التحكم زلق عند التعرق وفي الانعطافات إلى اليسار واليمين، الجسم نحيل والقامة قصيرة تتعدى المتر بقليل، نظرات منكسرة بلون الخسوف مثبتة في وجه ضامر، حركات ممزوجة بالزهو واللامبالاة، وبريق يتصاعد من شمعة التقرب من العناقيد الدانية القطاف، وفي حضرة الآخر يتقمص شخصيات اكثر بريقا من وجوم أحلامه المكدسة بحثا عن موقع تحت الاحترام، في الجلسات يشع الاحتراس بين مخابئ المفردات المنتقاة بعناية مطرزة بفسيفساء الألم، وفي الكلمات تتضح معالم القصد والنية، فالروح مهزومة تحت سماء مشبعة بسماد التمني والابتهال المشرئب لألهة المال والأعمال، دائم الانحناء كطفل يتيم أمام مأدبة كبيرة، ينتظر لحظة الذوبان والشبع،يكشط المصارين من بقايا الوجبات الرديئة، ليبارك النفس الأمارة بالخشوع والتهام فقاعات الهواء، عيون غارقة في دهشة ظلام الأمكنة الجديدة، تحتسي ضحكات العابرين وينزع الملامح الأصلية هربا من الماضي الممنوع من الصرف، الرجل عاش سنين طويلة يعتاش على براريد الشاي والخبز البائت، ملفوف في الأزقة والأحياء في شجرات النسيان، سهوا اندس في مزرعة الحروف ونام على أحلام عابرة للوقت مخضبة بالزنابق والرياحين والبخور، ليخفي عناوين منفاه وأزمنة من الشجن المفعم بالتمني للصعود إلى القمة، لا رحمة في الأزقة والشوارع ولا دفئ بين الأصدقاء، السياقة تنسي مبادئ التسامح والأخلاق، الحرفيون يطلقون في الأفق قوانين متقادمة، وأمين الحرفة جاهل يتحكم في قطيع من الجهلة، احمد الحماري حاصل على الإجازة في الآداب أراد أن يضيف الفارق، جفت فوق تضاريس الأوصال قيمة الشهادة الجامعية، انحبس على صخرة الفهم المعيب وغرف في الضياع والاستهجان، في الأول رفرف بأجنحة الحماس الزائد، رجع بعد جولات حوار مع السائقين و قراءة شيئ من المعارف مهزوما.
تقيأت إحدى الزبونات على الكرسي، احمد الحماري لا يحتج،لا يغضب، لا يتذمر من تصرفات مشابهة، لا يهم أن يتبول الزبون أو يتغوط في المقعد الخلفي، الأهم أن يدفع ثمن التوصيلة وثمن كنس الأوساخ وإزالة القاذورات، الفتاة السكرى زبونة دائمة، تدفع بكرم وسخاء، قرابة عقد من الزمن تشعل الأضواء في الفوانيس الخابية، تنشر الفرحة وتكرع في صمت كؤوس الترحة، لم يبق منها سوى بقايا جمال آخذ في الذبول، لوحت ملامحها في الصيف الماضي بالأفول، سهر الليالي والزبناء لحسا عتبات الهيكل بالأيدي والقبلات، أوصلها إلى المنزل في الحي الشعبي، اسكت المحرك و ظل متسمرا، ثمة ضوء خافت مترنح ينسكب من شقوق الباب الخشبي، التقطتها الأيدي وجذبتها إلى الداخل، الليل يقرفص على أربع وما يلبث أن ينجب المهووسين والحالمين بالطيران والسفر إلى العوالم الفيروزية، كل يحلم بالعوم في بحيرة الانتشاء التي تنتهي في اليوم الموالي بصداع في الرأس من اثر الكحول.
احمد الحماري ولد من رحم الفقر والفاقة في حي طيني مسور بالنفايات في مدينة متفسخة تستباح فيها قيمة الإنسان كل دقيقة، الرغيف جواز السفر اليومي وجسر للعيش المقدود من النار، اغلب الساكنة يمتهنون مهن وضيعة، الحي يتنفس الاستعطاء والجريمة والبطالة، لا ماء،لا كهرباء،لا مرافق صحية، تفرغ المثانات ليلا في أكياس وترمى خارج الأسوار، لا يهم أن تسقط فوق سقف كوخ أو داخل منزل طيني، رياضة يمارسها جميع السكان، في النهار ارض الله كلها مراحيض، والأذكياء من حفروا مطامر داخل بنايات صغيرة وحولوها إلى مراحيض بأبواب من قطع القماش أو أكياس القمح البالية والكارطون، في الليل يسمع عواء الكلاب ونهيق الحمير وصياح الديكة، وفي مرات كثيرة تنشب شجارات دامية على أمور تافهة، نبات الأرض في الحي الشعبي مختلف تماما، المسكنة تتلوى في أحضان المسكنة، تجارة الأحواض لم تعد مختومة بطقوس الكتمان، ممارسة البغاء تفاخر بين المطلقات والعازبات والشابات اللاهتات خلف سراب الحب، الدعارة لم تعد عيبا، العيب أن تبور التجارة وتشح المداخيل.
يتسكع في المقاهي والمجالس على هيئة إنسان متحضر مزخرف بحشوات أختام العبوس، يبحث في مصارين الدروب العطنة عن نقطة ضوء تغسل أدران الأيام وترسم شارعا مزدحما بالغبطة، تغسل طفولة قاسية مكدسة بغبار الحرمان وتذمر الوجوه الكالحة، فما من وسيلة للهرب من قبضة الحقيقة، الأب عاطل عن العمل مند سنوات، انهدت العضلات بحفر الأساسات وحمل أكياس الإسمنت، اشترى عربة يد ونثر فوق اللوح المستطيل بعض المكسرات وحلويات وعلب سجائر، باحثا على مقربة من المقاهي عن منفى يمنحه الامان، يدور على عقارب الساعة يلهث يتمسح بعلية القوم، يستهويه لصوص المدينة المنهوبة، تحتشد الأمنيات على بوابة
المخيلة، وحقائب الأوهام ممتلئة عن الأخر، ومشروع غرام من طرف واحد، ركض خلفها لسنوات طوال، انمسحت شعيرات الرأس وادعن في الأخير، عقد القران في البيت الطيني، الزوجة طائشة وعيون تتعلم فن التقبيل والاستدراج على موسيقى آهاته، فاحت رائحة الخيانة في الحي وخارج الحي، لم ينهزم أمام جمهرة من هواة نشر الأكاذيب وضرب المحصنات، ولم ينجرف إلى بركة الظنون والتكهنات، بصق في إيماءات العيون المدججة بالحسد، لعن المتصيد في المياه المطحلبة، اكترى منزلا سكنيا في حي آخر هربا من وجوه مطليه برماد الفجيعة.
– المش ملي ما كيوصلش للحم كيقول خانز
– ديها فخدمتك راه وليتي مسؤول على ثلاثة نفوس
– شكون خلاك.. بنادم حاسدك على والو
– يا ودي كيف ما درتي حرتي في هاد لبلاد
– تماما
حين يدب الجفاف في مصارين المدينة يحاضر في المقاهي عن الشرف والضمير المهني، في نادي كرة القدم تمسح بالرئيس الفاسد طمعا في الطبطبات، مدحه في الغياب والحضور، ينتظر وسام الانبطاح من درجة خسيس، رئيس النادي الكروي اللص أشبه بعمود كهربائي في زقاق متسخ، يتمدد حوله الهوام والبعوض والفراشات، الرجل خالي من فرص الحياة، حدثهم عن الحرمان وقلة الحيلة ونثروا على الجسد حنوا مزيفا، يحتاج إلى فرصة وحيدة لترميم الأعطاب، كثيرون سلكوا نفس الدرب وتـفسخت أحوالهم، غاصوا في برك التشويش والاتهامات المغرضة، المحو يحاصر النطاطين و الواهمين، يعلقون على دواليب الرياح، السائق ترك ظلا على وجه قطاع الطرق كشبح هرب من الهاوية، يبسط اليدين لكل قادم ليتجنب أسرار السقوط في مديح طوابير الفراغ.
يقفز من مائدة إلى أخرى متأبطا حلما عابرا للوقت باحثا عن فرصة للظهور، يود أن يصرخ في وجه الحاقدين والناقمين انه رقم مهم في معادلة المدينة المهربة من زناة الليل ورموز الفساد، تتدحرج الآهات من الجسم النحيل، ينظر إلى وجوهه الهزيلة المتقلبة في عيون المارة، أبناء الحي الخبثاء والحساد يغرسون أنصالهم في الجسم الرخو والضئيل، تبدلت التحايا وانحبس تبادل الكلام يوم ربضت السيارة الصفراء أمام الباب، مصر أن يعبر الصراط إلى الضفة الأخرى، لا يكترث للغربان التي تتمشى في دهاليز الدماغ، يرفرف القلب فوق مستنقعات الترح، وتهطل على اسطح الحوباء غيمات الخير العميم، تشرئب الأزهار فوق المحن، تتساقط الوجوه الخسيفة تباعا من الذاكرة، لا حاجة لان يكون حبة في طاحونة الفرم، عازم على التحليق بعيدا ليدفن الهم والبؤس والشقاء والعيش في الهامش، دائم التفكير في انبلاج الصباح السعيد، دفع الزوجة للاشتغال قي صالون للحلاقة، الرضيعة تترك عند الام، الوقت تحتاج إلى التعاون، يد واحدة لا تصفق ولا تسحب الدراويش من المحن، مصاريف الحياة أصبحت اكثر صعوبة، والرغيف النظيف يشقي الطبقات الكادحة، لتعيش مرفوع الرأس في مدينة الموتى يلزم الحفر بالإزميل فوق ركام الفساد او الارتماء في أحصان جوقة الفاسدين،كل شيئ يباع في سوق العبيد، والكرامة فردة حذاء تداس في حفلة صاخبة للطواغيت والقوادين،غاص في محبرة اللامبالاة ليرتوي من ظمأ بين الضلوع، ذاق من نعم الحياة والف العطايا والموائد الدسمة، والشهية انفتحت على مصراعيها وازداد النهم، كل يوم يعيش متلهفا على مشارف الشبع، وضع الخطوات الأولى في الطريق إلى الدسم، الثراء محشور في جدول الأحلام الأكيدة، تخلص في العام الثالث من الخوف والحيرة، الرزق وفير ومفاتيح الجنة المقفلة تكسرت وانفتح باب الطلسم، الضعف والهوان انسلخا من الحوباء، استبدل الفرش القديم المقتنى من سوق المتلاشيات، تبدلت المشية والملابس وطريقة الأكل، عرفت أن هذا الانقلاب والتفسخ سيحدث يوم انجب أنثى و اطلق عليها اسما سنسكريتيا مستمد من الأساطير الهندوسية، الحماري يهرب من ذاته يتخلص من الماضي الخشن الذي اعطب الذاكرة، يدفن الهزائم التي حاصرته طيلة سنوات، يذوب في الحاضر ليطلع إنسانا آخر ذا قيمة، يحضن الشمس ويسبح إلى الضفة الاخرى، لا شيئ يضعف نبض الإرادة في تسلق سلالم الثراء، شهقة الرقي في القلب تكنس الفوضى وترسم طريقا مفروشا بالورد والرياحين، ومسحت العزيمة خيط الهم بالفرح اللذيذ، والأم المحدودبة الظهر ترش الماء عند المغادرة وتدعو بالصوت الواهن الإله أن يحميه من كل مكروه، تفرش الأرض أمامه بالسعد واليمن والبركات، انبلج بصيص ضوء في مزارع الفراولة، فرصة لا تعوض للمزيد من الدخل، لا عيب في إرسال الزوجة إلى بلاد الحرية، نساء كثيرات يتسابقن للرحيل، قرا تاريخه المملوء بالنكسات والعري والجوع، إنه الفقير المرفوض بين أبناء الأعيان.
– لدي ثقة كاملة في الزوجة
– الثقة في الشيطان وليس في المراة
– اعرف زوجتي...
– تعرفها بالقرب منك وليس بعيدة في بلاد الغربة حيث المغريات والضغوطات من ارباب العمل...زوجات كثيرات يتم محاكمتهن متهمات بالخيانة في وجود الازواج...
– زوجتي واعية ومحصنة ضد الاغراءات
حضرني في ذروة النقاش العقيم والمتنطع و اللامجدي قصة فلاح فاحش الثراء، طاعن في السن من منطقة جبلية أمازيغية، توفيت أم الأولاد لم ينتظر طويلا وانخرط في البحث المحموم عن شريكة تقاسمه ما تبقى من سنوات حياته المحدودبة، شريكة بمقاسات معينة للعودة إلى ساحة العاشقين هربا من تجاعيد العجوز النائح، عدد أمام السامعين كل المناقب المشتهاة، رفض المقترحات والنواهي ووصايا ترسم صورا قاتمة عن نساء خائنات، ظل صامدا متمسكا براي مقدود من متاهات التجربة، باحثا عن مرفأ لأحلام متجددة، الوقت لا يحتمل حشو المنغصات في خازوق الحروف، تزوج من شابة تصغره بخمسة عقود، أغرى أبويها بالمال والهدايا فاذعنا، بالمال تشتري العالم، كان لديه راعي في مقتبل العمر حسن المظهر قوي البنية قليل الكلام، هطلت الشهوة على شباك العواطف وتأججت رياح الغدر، تتقافز الأفكار والصور من المخيلات كل ليلة على فراش بارد، تكلمت العيون وتناثرت علامات الاستفهام ولاح الوجود المطرز بشهقات تختزل الزمان والمكان، خلف الأبواب الموصدة برعم الانجذاب الشقي،الوفاء مجرد طقس بالي في زفاف العنة، راودت الخادم في الخيال آلاف المرات، ممشوقة القوام تطوي المسافات وتمزق حجاب الخجل، قادتها الغريزة إلى البوح بالمكنون وسال لعاب الوباء، لاحقته في الحقول متذرعة بآلاف الإعذار، تنهمر شلالات التشكي في الخلاء، قطعة سكر تذوب على حافة الشفاه، خيوط العنكبوت تلتف على عنق الراعي المستسلم في بلادة، المروج فاضت بموسيقى الرغبة الجامحة على تخوم الابتسامات المحرضة، كلمات تطلق قذائف في الدم تدحرج كرات النار فوق الأشلاء، حركات مستفزة تقيس نبض الاستجابة على وقع صهيل الاشتهاء، التهمت الأمواج العاتية صرخات الراعي، لم يعد قادرا على المقاومة، يشم رائحة نداء يحاوره من تلابيب العشق،الجسد المشتعل ينزف أوجاعه، تتعرى الأشجار وترقص عصافير الخيانة حول ينبوع التلاحم، تهاوت القلاع والحصون في مهب الريح، شربا حتى الثمالة من الكأس المحرمة، تمددت فوق العشب وأفردت ذراعيها، انفتحت أبواب الجنة أمام الراعي، الشيخ صامت ابتعد عن عمق التفاصيل المكدرة، ما يفرح الزوجة يفرحه وما يغضبها يغضبه، القول قولها والمشورة مشورتها، أجزلت له العطاء والنية السيئة حاضرة تهطل سنابل اللواعج، لتغسل وجنات الأعطاب، تقضي معظم الوقت برفقة العشيق تغرق في المشاعر الدافئة والابتسامات العريضة، في الحوباء لاح فجر جديد ومشاتل أزهار زكية، أبعدت عن الجمجمة أشباح امرأة تعيسة، في العتمة تبحث عن آثار لخطوات متعثرة، تتسلل إلى فراش الفحل لتشحيم الأماكن المقعرة، في احد الأيام اختفيا عن الأنظار، طاف الشيخ على الأقارب والأهل، بلغ رجالات الأمن عن الاختفاء المباغت، حين أعياه الانتظار والشوق إلى الزوجة الساكنة في الضلوع طرق باب رجل سلطة ورجاه أن يعيد له الزوجة ولا حرج لديه أن يتقاسم مع الراعي الحوض، ضحك رجل السلطة وضرب كفا بكف واستعاذ بالله،فكرت أن الشيخ بدون كرامة حين قبل استباحة العرض والشرف مع الغريب ضاربا عرض الحائط الكتب المقدسة والقوانين، الشيخ الولهان افصح عن جوهره ساعة مقايضة رجوع الزوجة بالمشاركة.
احمد الحماري لا يقل خسة عن الشيخ في استباحة الكرامة. الكرامة مفهوم عميق ولصيق بمعنى الإنسان وجوهره وقيمته وسط المجتمع، وصورة مصغرة عن ذات الفرد ووجوده، والكرامة في الوعي الجماعي المظهر الأسمى للإنسانية، والكرامة في مفكرة احمد الحماري تباع بدراهم منفلتة من غسيل ملطخ بعرق الأفخاذ والرياء، تدثر بمعاني مطهرة للنفس المضطربة المتقلبة، يعفر الجبهة بكلمات خارجة من أقبية المكر ودهاليز الخديعة، موشومة بقناع العفة والزهد و التقوى، يحيا مستلبا مندفعا على طرقات المستحيل.
– وفين الزوجة اسي الحماري
– خدامة على راسها وكتجمع لفلوس
– وهاد شي ديال الاغتصاب ما سمعتيش به
– كلشي كذوب... لي زانية زانية..ولي محترمة راسها غتبقا محترمة
شمس المواربة انطفأت، يحمل جرثومة الدياثة في الشرايين وفي تضاريس الجمجمة، أخبار الزوجة في مزارع الفراولة انقطعت، ثلاثة سنوات بالتمام والكمال، نبتت أسنان البنت ولم تظهر، تعلمت الوقوف والمشي ولم تظهر، دخلت روضة الأطفال ولا خبر، ما من أنثى تصوم التشحيم وتقاوم نداءات الجسد لسنوات، تهتز أكاليل الزيجات على وقع صهيل قبلات منسية، قنوات تلفزية وجرائد تناقلت أخبار اغتصاب نساء الفراولة بالقوة، هناك من فضحن الاغتصاب وهناك من فضلن الصمت خوفا من الفضيحة، وهناك من استهوتهن لعبة الإيلاج والتمسن بوحا من لمسات الليل الدافئة، انبرى الحماري منتشيا بالوهم يخيط الفم الحالم بالعفة وعزة النفس، يفتح مواضيع مستهلكة لأثارة الانتباه، بحثا عن معنى للوجود في منافي المقاهي والأزقة، تعلق أبواب الحوار في وجه الدخيل المتذاكي، الكل يمضغ صمته في امتعاض وارتياب، احمد الحماري طيفلي يحمل رائحة مجاري الوادي الحار وخشونة المعاني، محشور في قائمة المهمشين والمغضوب عليهم، مطرقت الفكرة دماغي اكثر من مرة، عقارب الزمن العفن تتهشم فوق الجمجمة.
اتصلت بالسائق الديوث يوم السبت، رغبة عارمة تدفعني إلى كرع كؤوس الخمر والاستدفاء بجسد أنثوي، الحماري لديه عشرات الفتيات تحت أمرته، اتصال واحد وستحضر المطلوبة للنشاط، فوق راسي رفرفت ملامح كثيرة رافعة قبعات الغواية، صور غواني تدوس مواجع الإنس تنفخ نفير الشهوات، أسماء كثيرة مرت أمامي بسرعة البرق، انتصبت كالضياء في مخيلتي تمشي في غنج، وانبريت أبرنق الكلمات أسبح في الخيال، جاء الصوت عبر الهاتف يستفسر عن الأنثي المشتهاة، الأوصاف المقدمة شحيحة لا تسعف في استحضار المطلوب.
– اسمع ما عرفتش شكون هاد الشابة لي كتهدر عليها
– واش عقلتي على هديك البنت لي نزلتي حدا ملعب الكرة
– واش كاينة غير وحدة كلهم كينزلو في ديك الطريق
– هديك لبنية رقيقة وضحوكة
– شوف انا غادي نجيب لك وحدة مزيانة..شحال نتاع البيرة نتقدا لك
– 15 بيرة ودجاجة مشوية والخبز مونادا لفريت الزيتون..وشي تقاوت كيف العادة
– راني معشي معاك
– كلشي نتاعك
يجلس مبهورا حائرا يدخن في سخافة كل أفكاره المضطربة، رفض استدعاء وعاء للتفريغ، يحشو الفم بقطع اللحم والبطاطس المقلية، لا يريد أن يصحو في سرير الريبة والخيانة، ظل يفتخر بشيمة الصبر ومقاومة الاغراءات الجسدية، مسكين طيلة سنوات يحلم مثل الجندي في ساحة المعركة بيوم انتهاء الحرب للعودة إلى الوطن، لكن لم يدخل حربا ولم يحمل سلاحا للدفاع عن الأرض والعرض، في سبيل الجشع والطمع فرط في المبادئ المزيفة والشرف، اصبح نصف متزوج، لا احد يعرف كيف الرغبات الجنسية، حاصرته مرات عدة بالسؤال وهرب إلى منعرجات العقيدة والإيمان، اعترف باستيقاظ الذكريات في الصباح الباكر، تزوره الزوجة المختفية في الخيال على تخوم ربوات منتحبة، يحتسي اللذة عند أبواب الاستحلام منبطحا على جليد الحرمان فتذوب كومة الأوجاع والأحزان،يراها كغيمة الأرياف تمطر في الحوباء كل دقيقة وثانية، فرص كثيرة لصمته في عتمات الليالي لينثر السماد في المدن المصابة بالتخمة اعترضته في الطرقات للترفيه عن النفس وتشحيم الخلايا والهرب من آهات الوحدة، متوجس من مكر الدسائس والسقوط، انكشاف الانحراف سيتدلى على موائد المقاهي وستنتشر في الهواء العيوب،يفرد غيم الحنين على شفاه في لون الفراولة، والقلب قانت متعبد يستحيل أن يرتد عن صلوات الحب الأول كأنما ولد من مشيمة الزوجة الحبيبة المسافرة لالتقاط الرزق في بلاد العجم.
المدينة عاهرة تشوهت، انتكست، شاخت، تحمل الجراثيم والأمراض، اسمع صوت الريح يصفر، سحبت جسدي من الطاكسي، صعدت الأدراج وظلت صورة طفلة في عمر الزهور عالقة في ذهني، جسمها ضئيل ونظراتها مشوشة، لعنة الله على من حولها إلى وعاء للتفريغ، ولعنة الله على زناة الليل الذين يفترسون ويزدردون البراءة، تسلق الحنق في أوردتي واستبدت بي رغبة عارمة في ركل ولكم وصفع ناقل الأحواض، شتمت الخنزير الذي يحمل الذبائح إلى المسالخ و منحدرات اللاعودة، في الزمن العاهر كل شيئ مباح، نحن في حديقة للحيوانات القوي يفترس الضعيف.
انقرضت عدة اشهر انقطعت أخبار الحماري، لم اعد ارد على الاتصالات الهاتفية الكثيرة، بعد تفكير وضعت رقمه في قائمة المنع، لا خير في من غادرته علامات الرجولة والنبل والشهامة، رميت الغسيل على القسمات المتشحة بالدياثة لأعبر عن غضبي من سلوكات مشينة، احمر خجلا وارتبك كتم صرخة أو آهة في تلك الليلة الماطرة والباردة، خجل بدون ارعواء، تسلق الشيطان شرايين الجمجمة وتمدد في العروق، أنبتة كثيرا على ممارسة القوادة تحت غطاء متطلبات المهنة، لم يبتلع الصفعة وظل يراوغ ويبرر الفعل المقيت، اعرف انه ولد من ثقوب سوداء وسقط مبكرا من تلابيب الأنفة وعزة النفس، فشل في إقناعي بوجهات النظر المهزوزة، نفض من رحم الاحترام مسافرا نحو الشمس، في لساني رزمة طلقات مركونة على تخوم الامتعاض، علمت من بعض المقربين أن الزوجة عادت من المهجر، سافرا بمعية الابنة ذات الخمسة سنوات إلى مدينة شاطئية، ترك الطاكسي 69 في عهدة شاب حديث العهد بالسوق، وطاردته لعنات و لهيب الدياثة.
