الرواية الفلسطينية في مرآة النقد الثقافي
الرواية الفلسطينية في مرآة النقد الثقافي
رواية المتشائل لإميل حبيبي نموذجا
اشتهر إميل حبيبي(1921- 1996) مبدعا بروايته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" ومن مؤلفاته الأخرى سداسية الأيام الستة 1969 وكفر قاسم المجزرة والسياسة 1976 ولكع بن لكع 1980 واخطية 1985وسرايا بنت الغول 1992 وكان قد أنشأ مجلة ثقافية فصلية باسم مشارف في حيفا(*) وفي هذه الدراسة نتوقف عند روايته التي تعزى إليها شهرته من حيث هو أديب لامع فضلا عن أنه سياسي ناشط رحمه الله. مسلطين عليه، وعليها، الضوء من زاوية الاهتمام بالسياق الثقافي.
ثمة أكثر من تعبير يُطلق على ما هو مُتداول في هذا السياق، فقد اسْتُعْملَََ تعبير التاريخانية الجديدة new historicism مثلما استعملَ تعبير التحليل الثقافي cultural analysis وتعبير الدراسات الثقافية cultural studies وأخيرًا النقد الثقافي cultural criticism (1) الذي بدأ ظهورُه على استحياءٍ نحْو العام 1929 علي أيدي بعض الفرنسيّين ممّن أصدروا مجلة أدبية نقدية باسم " حوليات " Annales فقد شملت عنايتها الأدبيّة، واهتمامتها النقدية: الاقتصادَ، والمُجْتمع، والحضارة (2). ومن بين النافذين من كتابها المؤثرين تارك بلوش، ولوسيان فيفر. وتركت هذه المجلة أثرًا كبيرًا في جيل المفكرين اللاحق، من أمثال: ميشيل فوكو Foucault، الذي أثر بدوْرهِ في عدَدٍ من المفكّرين، منهم: روجر كارتييه، وجاك رافل، وفرانسوا فورييه، وروبرت دارنتون. ويمثل فوكو (1926-1984) ما يُعرف بالتاريخانية الجديدة تمثيلا جيدًا(3). وهو من أكثر المفكـّرين الفرنسيّين تأثيرًا في الفكر الأمريكي النقدي، بمنهجيته القائمة على النظر في الثقافة من حيثُ علاقتُها بالسلطة، والمجموعات الهامشيّة، والأقليات العرقية، والإثنية.
ويتجلى ذلك في مُصنّفاته، ومنها "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" و"نظامُ الخطاب"، ومعالجاته لموضوعات ثقافية أخرى: كالإجرام، والعقوبات، والممارسات الاجتماعيّة في السجون، والمثلية الجنْسية. وهو واضِعُ التعبير الشائع في الدراسات الثقافية "أركيولوجيا المَعْرفة". ومن رائدي النقد الثقافي في إنجلترا رايموند وليامز Williams الذي صنّفَ كتابيْن مُهمّيْن يُعدان من مراجع هذا النقد، وهما: الثورة المُمْتدّة، والثقافة والمجتمع،(4) وهذا الأخير يقوم على أطروحة مؤداها أنّ الثقافة ليست شيئًا ثابتًا جرى إنجازهُ، وانتهى، بلْ هي – على الأرْجَح - شيءٌ حيٌّ، ودائم التغيّر. أما عن علاقة الثقافة بالأيديولوجيّات، فتتشكل - في رأيهِ - منْ طرائــقَ متبقيـّة، أو مُهيْمـنة، أو منبثقـة، في رؤية العــالم، وهـو مــا يبدو لنا خاضعًــا لمفـاهيـم طبقـة، أو أفـراد يملكــون السلطة في صورةِ مجموعةٍ، أو مجموعاتٍ مُعيّّنة(5) وذلك ما أوْضحَه في كتابه The Politics of Modernism طرائق الحداثة 1989.
وثمة جناحٌ من النقاد يُمكن وصفُهُ بالماركسي انضمّ إلى هؤلاء الحوليّين، منهم: غرامشي، وألتوسير، وباختين Mikhail Bakhtin (6). وهذا الأخير تحرَّر من المفاهيم الماركسيّة الجامِدة تحررًا بلغ حدّاً يمكن القول عندهُ: إنه لم يكن ماركسيًا على الإطلاق. فهو صاحبُ فكرة تعدد الأصوات في الخطابات، والبوليفونية polyphonic في الرواية، وذلك شيءٌ أوضحه بالتفصيل في دراسته لكلٍّ منْ رابليه، ودستويفسكي(7). أما أثرُه في النقد الثقافي، فقد برز في تركيزه الشديد على الصراع بين مستويَيْن من الثقافة، أحدهما هو الثقافة العليا، والأخر هو الثقافة الدنْيا، وذلك لا يتجلى في التناقض ما بين النصوص الكلاسيكية والشعبية حسْب، بل يتجلى كذلك في التناقضات التي تشيع في الأصوات المتعددّة في الخطاب المعيّن نفسه. ينضم إلى منْ ذكروا الألماني والتر بنيامين، الذي سار في اتجاهٍ مختلفٍ عن جورج لوكاش، المُعْجب بروايات القرن التاسع عشر، داعيًا لثقافةٍ جديدَةٍ، وتحليل يهتمّ بالدادائية Dadaism أو الفوْضويّة، والراديو، والأفلام، عبر مجال ثقافي أكثر اتساعًا، وأقلّ نخبويّة. وانتقد غرامشي الإيطالي مفهوم الأدب بمعناهُ الشائع، مشدّدًا على ضرورة وضْع تعريف للثقافة يتسع لثقافة البروليتاريا، والفئات الشعبيّة المنسحقة، والمهمّشة.
وبرز النقد الثقافي في أمريكيا على أيدي عددٍ من الأكاديميّين في جامعة كاليفورنيا – بيركلي في مقدمتهم ستيفن غرينبلات Greenblatts نحو العام 1970، فهو أولُ من استخدم تعبير الشعرية الثقافية Cultural Poetics غير أنّ مصطلح التحليل الثقافي زاحَمَ هذا التعبير حتى غلب عليه، لما في هذا الاصطلاح الجديد من دلالة على الجوانب الإجرائية لدى هذا الاتجاه. ويُعدّ التحليل الثقافي، المرادفُ دلاليًا لمضمون التاريخانية الجديدة، في نظر هؤلاء، مزيجًا من روافد نقدية معروفة: كالماركسية والتفكيكية والأنثروبولوجيا والنسوية Feminist Criticism وفي ذلك يقول غرينْبلات " في النهاية لا بدّ للنقد الثقافي من أنْ يذهب لما هو أبعد شأوًا من النصّ، كاشفًا عن الروابط التي تصله بالممارسات الثقافية الأخرى "(8) علاوة على منْ سبق، أسهم إدوارد سعيد (1935-2003) بدوره، في النقد الثقافي الأمريكي، لا منْ خلال كتابه "الاستشراق" وحده، وهو الكتابُ الذي كشف فيه عن نسق مضمر، مخبوء، تحت قشرة الخطاب المُعْلن، وهو هيمنة المركزية الغربية على ثقافة المستشرقين، وخطابهم المعرفي، مقابل تهميشهمْ للآخر، ولكنه، أيضًا، أسْهم، في هذا المقام، بكتابٍ أكثرَ حِدّةً، وجراءة من الأول، وهو كتابه "الثقافة والإمبريالية" (9).
وما فتئ النقد الثقافي، كغيْره، يتسرّب إلى النقد العربي الحديث، فعدا كتاب الغذامي الموسوم بعنوان"النقد الثقافي" (10) صنف إدريس الخضراوي كتابًا بعنوان "الأدب موضوعًا للدراسات الثقافية "(11) وكتب المناصرة شيئًا عن هذا النقد في كتاب له عن نظرية المقارنة والنقد الثقافي، وهو ما ظهر أثره على نحو جليّ في كتاب حفناوي بعلي "مدخل لنظرية النقد الثقافي المقارن" على الرغم مما أثير حوله من تساؤلات ترتاب في أمانة المؤلف العلمية، وكتب الكثير من البحوث والمقالات، ورسائل الماجستير، والدكتوراه، التي تتناول أدبًا عربيًا قديمًا، أوْ مُعاصرًا، في ضوء النقد الثقافي. وفيما بدا عند الغذامي تركيزا فاضحًا على العيوب النسقية في الثقافة العربيّة القديمة، والمعاصرة، اتجه آخرون لتسليط الضوء على الأدب، أو الثقافة الشعبية، من خلال النبش في النصوص الأدبية الكلاسيكيّة، كالشعر الجاهلي، والمقامات، والقصص، والأخبار، والنوادر، والأمثال، وحظيََ السردُ الشفويُّ العربي بالمزيد من العنايةِ، والبحْث، وتطرّق باحثون إلى مسائل النساء وأخبارهن، والغلمان، والمجانين، والأذكياء، وإلى الجواري والمغنين، والقيان. على أنّ النقد الثقافي يهتم اهتمامًا لافتا بالذات، وبالهوية، وبالآخر، من زاوية علاقته بالذات، وبالهوية، ويهتم كذلك بالمرأة، وبالأنساق الثقافية المُضْمَرَة. فما الذي يعنيه النقد الثقافي بالنسق؟ وما المجالات الأخرى التي يتباينُ فيها هذا النقدُ عن غيره، إذا سلمنا بأنه نقدٌ جديد، وليس امتدادًا لحركةِ ما بعْد الحداثة؟
ثمة أنساق ثقافية، وتاريخيّة، تتكوّن عبر البيئة المُعينة- موْضع الدرْس- وتتقنُ الاختباءَ تحت قشور النصوص، ولها دوْرٌ سحري في توجيه عقليّة الثقافة، ورسْم مسيرتها الذهنية، والجماليّة. وعليه، فإن النقد الثقافي يبحثُ عمّا هو مُضْمرٌ، وهو- بلا ريْبٍ - عناصرُ متشابكة، متفاعلة، متمايزة، وكلّ شيء في هذه العناصر له خاصيّة دينامية، بمعنى أنه يتفاعل مع العناصر الأخرى داخل النسَق، ويتفاعل كذلك مع العناصر الأخرى التي تحيط به من الخارج، وهذا يضفي عليه صفة التحوّل، والسيْرورَة. وبذلك يختلفُ النقدُ الثقافي عن النقد الأدبي من حيث أنّ هذا الأخير ينظر للنصوص باعتبارها نصوصًا منْجزة توقفت عن التغيُّر، وذلك، فيما يؤكد رايموند وليامز، غير دقيق.
وتبعًا لهذا، فإنّ النقد الثقافي لم يعدْ يكتفي بتحليل النصوص الأدبيّة المنتمية للسامي، والرائع، والرفيع، بل يتعدى ذلك إلى الثقافةِ بصفةٍ عامّة، باعتبارها ثمارًا للحراكِ الاجتماعي. فمُصْطلح الثقافة تخطّى الأدب الرفيع إلى الثقافة بمعناها الواسع، الذي يستوعبُ الثقافة الشعبية، مع توجيه النقد لما يعدّ أسُسًا لتصنيف الثقافة إلى رفيعةٍ، وأخْرى وضيعَة. فالنقد الثقافيّ - عودًا على بدْء - لا يفرّق بين ثقافةٍ وأخْرى، بين ثقافة دنيا وأخرى أعلى، وأسمى، وأرْقى. فهو- من هذه الناحية - أكثرُ وصفيّة، وأقلّ تقويمًا، أيْ: أكثر اهتمامًا بالربط بين مكونات النسق بدلا من الاهتمام بالتصنيف، والتقويم. علاوة على هذا، لا يقتصر اهتمام النقد الثقافي على الأدب الذي ُكتب في العصور الخوالي، وإنما يعنى بالأدب الحيّ، المتنامي، المتغيّر، فنقادُ اليوم ينبغي لهم ألا يتكيفوا مع الماضي، ولا مع الحاضر حسبُ، بل مع المستقبل فوقَ ذلك. ولهذا لا نستغربُ أنْ يحمل بعض النقاد الثقافيّين على المؤسسة الجامعية، فهي، برأيهمْ، المسئولة- أولا وأخيراً- عن تكريس الرأي الخاطئ، الذي يقوم على أنّ الثقافة القديمة المكتوبة، المنجزة، في صياغة جميلة مكتملة، هي الثقافة، وما عداها غير معترَفٍ بهِ، ويُنظرُ له في شيءٍ غير قليل من الاستخفاف، والازْدِراء، والتهْميش. وهي- أيْ الجامعة - تعزفُ عنْ دراسة الأفلام، والمُسلسَلات، والإعلانات، والأدب الشعبي، وأنماط الحوار المعاصرة، مما يعد في نظرها من سِقْط المتاع.
وتأسيسًا على هذا يجد النقد الثقافي، بصفةٍ عامّةٍ، في السرْدِ، إنْ كان شفويًا، أو مكتوبًا، روائيًا أو قصصيًّا، أو أيّ ضرْبٍ آخر من ضروب الحكاية، مجالا خصبًا، ثريّاً، لتطبيق آرائهِ في التحليل، كوْن السرد، بطببيعته، أكثرَ فنون الأدب استيعابًا لأمشاج من الثقافة، بمستواها الذي يمكنُ أنْ يعد - بمعنى من المعاني - ثقافة شعبيّة. والثقافة الشعبيّة هي إحدى المفردات المتكرّرة في الخطاب النظري للنقد الثقافي، والتاريخانيّة الجديدة، فما هو موقف هذا الاتجاه من الثقافة الشعبية؟ بعبارة أوْضح: كيف ينظرُ النقد الثقافيّ للثقافة الشعبية، وعلاقتها بالمُستويات الأخرى للخطاب؟
الثقافة الشعبيّة
يرى هذا الاتجاهُ في ثقافة المجتمع مزيجًا من الكتابات، والخطابات الشفوية، والعُروض التلفزيونية، والأفلام الروائيّة والوثائقية، والتسجيلات، والبرامج الإذاعية، والأطعمة، والموضة، والمجلات، والظواهر الأخرى، التي تؤدّي مهمات تواصلية في حياة الناس اليوميّة؛ فهذا كله يكوّن- في الواقع - المادّة الأساس للثقافة الشعبية. تضافُ إلى ذلكَ طقوسُ تتّبَعُ في الأفراح، والأحزان، والطبخ، والمآدب، والملابس، وألعاب التسلية، والرياضة، والأدب الشعبي الملفوظ، لا تقلّ أهميّة عن العروض المسرحية التي يجري تقديمها، والاحتفاء بها، ونقدها على خشبة المسرح، وفي أعمِدَة الصحف، والدوريات.. ومن الحيف أنْ تصنف هذه العروض في الأدب الرفيع، بينما لا تحتلّ الوَسائط التعبيرية الأخرى مرتبة الأدب الوضيع، وذلك أضعف الإيمان. ولا تفوتنا، تبعًا لما ُذكِرَ، الإشارة إلى فنون من الأغاني، والمواليد، والمناسبات الشعبيّة، والسيَر، وعروض الدمى، والعرائس، والحكايات، التي تلقى على الأسماع في المقاهي( الحكواتي) مما جرى الانتباهُ له، والالتفاتُ إليه، مرارًا، لا على أنه نوعٌ من الأدب الذي يستحقّ الدرس، بل على أنه ثقافة تنتجها وتستهلكها العامّة، في منأىً عن عناية النخبة من سَدَنة النقد الأدبي. فالنقد النخبويّ، إذا ساغ التعبير وجاز، يقيم حاجزًا بين نوعين من الثقافة؛ إحداهما سلعة منتخبة(نخب أول) وهي الثقافة العُليا، والأخرى سلعة مشوّهة(نخب غير أول) وهي ثقافة الشارع، أو العامّة، مثلما كان يُطلقُ عليهم في كتب التراث، أو ثقافة ما تحت الأرض Underground Culture بيد أنّ الثقافة الشعبية بتعبير ويليامز Popular Culture أخذت منذ أمدٍ بعيد، لما تتمتع به من قوة التعبير عن الوجدان المحلي، تفرض ذاتها على الناس، في عصْرٍ غلبت فيه على (الميديا) الصورة، والإشارة، والإيقاع، وأشكال التعبير الأخرى، ولم يعد ثمّ مناصٌ من النظر إليها باعتبارها نسيجًا واحدًا بشقيه النخبويّ، والعاميّ، الذي لم يحظ من المؤسسات الأكاديميّة بغير الظلال(12).
الثقافة الشعبية في فلسطين
ولئن تعلق الأمرُ بأدب فلسطين، وثقافتها الشعبية، فلا ريب في أنّنا سنجد الأمر مختلفا، والتقدير مباينًا لأيّ نموذج آخر، فالثقافة الشعبيّة في فلسطين تمثلُ - بلا أدنى شك - نموذجا للثقافة الدالة على التمسك بالهوية المحصّنة للذات من الاستلاب، والذوبان، في الآخر، الذي يمتلك من أدوات التحكّم، والسيْطرة، ما يتيح له أن يفرض عليها ثقافته هو. وبناءً على ذلك نتوقع من الرواية الفلسطينية، بوجه خاص، ضربا من الاحتفاء بالثقافة الشعبية، وإن بدا ذلك بطرائق غير مباشرة، وبصور متوارية تحت قشرة النص. ومن المعروف أن للثقافة الشعبية الفلسطينية خصوصية في الأغاني، والأشعار، والحكايات (السواليف) والأمثال، التي تتصل بهاتيك السواليف، لتؤلف ركائز لا غنى عنها لهوية السرد الثقافي. وهذا شيء نجده ماثلا، بوضوح، في قصص كثيرة لمحمد علي طه(13) جسر على النهر الحزين، وحنا إبراهيم (أزهار برية)، وقصص إميل حبيبي،لا سيما سداسية الأيام الستة(14)، وروايته المشهورة "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (15). وإذا تذكرنا أن التحليل الثقافي يعنى بصفة أساسية بأربعة أركان، هي: الذات، والآخر، والمرأة، والهوية، باعتبارها عناصر تسهم الثقافة الشعبية في تعزيزها من خلال النسق المضمر، اكتشفنا أنّ أي قراءة للرواية المذكورة لا تنتهي بغير التركيز على هذا النسق، وما فيه من كشف عن علاقة الذات بالآخر، وعن التمسّك بالهوية في مواجهة التهديد، والموقف غير الهامشي الذي تنهضُ به المرأة - ها هنا - خلافا لما توحي به ثقافة الأدب الرفيع، قراءة ناقصة.
العنوان
يحيل عنوانُ هذه الرواية من خلال الألفاظ التي يتألّف منها إلى مستوياتٍ ثقافيّة متعدّدة، فكلمة " وقائع " من الكلمات التي تستخدم في سرد الحوادث قديمًا، وفي الحديث. والحوليات التي تلخص فيها المجريات التاريخية، أولا بأول، تسمّى وقائع. وهي جمع واقعة، ووَقْعة، أي: حادثة، والواقعة، أو الوقعة، تستعملان – عادة- في الدلالة على حادثةٍ ذاتِ عواقبَ كارثيّة، أو فواجع. ثم يأتي التناقضُ في بقية العنوان جامعًا بين السعادة (سعيد) ونقيضها التعاسة(أبو النحْس) والوَصْف الذي يوصف به منحوتٌ من كلمتين، هما: متفائل ومتشائم، وهما كلمتان مُتنافرتان. وهما تحيلان إلى مستوى ثقافي آخر هو النفسُ، والشعورُ، الذي له تأثيره القويّ في تصرفات بطل الحكاية. وذلك يشفعُ للقارئ توقّعَه شيئاً من الغرائبيّة في الحكاية التي وصفت مسبقاً بذلك (الغريبة) وهذا يحيلنا إلى مستوىً ثقافيٍّ آخرَ، وهو السردُ الغرائبيُّ الذي عرفنا نماذجَ منه في السرْديّات القديمة، كألفِ ليْلةٍ وليلة، و سيرة الملك سيف بن ذي يزن، والتوابع والزوابع، وغيرها من سِيَر.
وإذا نحنُ تجاوزنا المقدِّمة القصيرة، لاحظنا أنَّ العلاقة بين عناوين الفصول، وكتب السير القديمة، علاقة مُطـّردة. فعلى سبيل المثال ثمَّة عنوانٌ، هو " سعيد يدعي التقاء مخلوقات من الفضاء السحيق "وآخر" سعيد يدخل إسرائيل لأول مرة "وعنوان آخر" وُرودُ ذكْر يعاد لأول مرة "و" كيف أصبح سعيد ذا سرّيْن "ومثل هذهِ العناوينُ تؤسّسُ لعلاقةٍ مباشرة بين الرواية وفنون من السرد الشفويّ القديم. أما إذا نحن تعمقنا أكثر، وتجاوزنا الوقوف إزاءَ العنوانات، وتتبّعنا ما في رسائل سعيد للمرسَل إليهِ (المُحْترَم) من مَحْكيّاتٍ يرويها، وجدناهُ، في الكثير الجمّ منها، يتنكـّرُ في زيّ (حكواتي) يتلو حكاية في إحْدى المقاهي، أو في أحد البيوت، حيث القومُ يسْهرون، ويتسامرون.. ففي سرْدهِ لحكاية الاسْم، والنسب، يرجع بنا إلى زمن تيمورلنك، وأبجر ابن أبجر، ولا بأس في أنْ يورد شاهدًا شعريًا من الشواهد على طريقة الإخباريّين في مدوناتهم الحولية، وغير الحوليّة:
يا أبجرَ بنَ أبجرٍ، يا أنْتا
أنتَ الذي طلـّقتَ يوْمَ جُعتا (16)
ومن أوجه الدمْج بين السرد الروائي، والثقافة العربيّة القديمة، التي يتخذ منها المؤلفُ مادّةً لغويّة في سرده، وقوفه إزاءَ اسْم العائلة (المتشائل) وأنه اسْم منحوتٌ من كلمتين للدلالة على حيْرةِ أفرادِها، فلا هم متفائلون حقاً، ولا متشائمون. (17) ومن هذا القبيل ما يوردهُ من مقارنةٍ بين الإسرائيليين والصليبيّين، فهذه المقارنة – على ما فيها من إيجاز شديد- تعود بالقارئ إلى زمن احتلال الفرنْجة للقدس، وعكا، وغيرهما من مدن فلسطين، ووصول الدماء في الأقصى إلى رُكَب الخيل، وأكوام الرؤوس، والجماجم كانت ترى في طرق المدينة من بعيد(18).
ومع أن الرواية ليستْ رواية تاريخية، إلا أنَّ للتاريخ العربيّ الإسلاميِّ فيها نصيبًا مثلما لقِصَص ألْف ليلة وليلة حضورُها في نسيجها الحكائي. ففي أثناء حديث الراوي عن أسرار العائلة التي ينتسب إليها سعيد أبو النحس، وشعوره ذات مساءٍ بالسعادة لأن الأدون سفسارشك وعده بالتوسّط لدى الأمن كي يسمحوا له بالبقاء في الدولة، وعدم القذف به في الجنوب اللبناني كغيْرهِ، يَتذكـّر، فيما يُشبه المُوازنة، مصباح علاء الدين السحري، والعفريت ينْبري له صائحًا "شبيك لبيك عبدك بين يديك" (19) ولا يفتأ الساردُ يستعيد في روايتهِ لمُجْريات الحكاية قصصًا قديمًا مثل قصة عباس بن فرناس، مُكررًا في ذاكرةِ الساردِ، والمروي له، ما ثقفته من حكايات، واستوعبتهُ منْ قصص عن فناء جامع الجزار، تارَة، وعن الشيخ الصوفي محيي الدين بن عربي الذي يشبّه الكوْنَ ببحْر ليس له شواطئ تارةً أخرى:
يسبَحُ في بحْـرٍ بلا ساحل ٍ
في حنْدس الغيْبِ وظلمائهِ
ويحذو حذوَه هذا في تذكـّرهِ حكاية امرئ القيس بن حجر الشاعر الذي مَضى إلى قيْصَر الروم طمعًا في استعادة ملك أبيه من بني أسد الذين قتلوه. فقد رأى نفسه – وقد تاهَ في أحد السجون بعكا(الدياميس) يبحث لنفسه عن مخْرَج مثلَ امرئ القيس الذي هُرعَ لقيصر، ولسان حاله يقول مع صاحبه: "نحاول ملكا أو نموت فنعذرا" وهذا ضربٌ من السرْد يمزج، بلا ريب، الجدّ بالهزل، والفكاهة بالسرد، الذي يصوّر الواقع بجلّ ما فيه من ألم، ومَرَارة. ومن اللافت للنظر أن إميل حبيبي لا يفتأ، في روايته هذه، يلتفت للآخر الإسرائيلي، فعندما يجد نفسه زعيمًا لعُمّال فلسطين، يحاول أنْ يتعلم العبريّة، والتعاون مع يعقوب، ومن يسميه الرجل الكبير (مندوب الشين بيت) فضلا عن الأدون(السيد) سفسارشك، الذي عمل والدُه معه من قبل. وعلى هذا النحو يتداخلُ ما يرويه سعيد عن نفسه بما يرويه عن الشخوص، ممّنْ يمثلون – سرديًا- الفريقَ الآخَرِ.
ونتيجة ذلك نجد في فصول الرواية كلماتٍ بالعبْريّةِ، مثل: " ما شاعاه " أيْ: كمْ الساعة، و"مديناه" أي: الدولة، (20) وباليدش، مثل: "اخت" أي: ثمانية. إلى جانب كلمات بالإنجليزية، وفقرات بالدارجة الفلسطينية " مليح انه صار هيكْ، وما صار غير شكل " (21) وتكرار أسماءٍ لها دلالاتٌ على هوية الكاتب، وهوية الشخوص، فمثلا: اسْمُ يعاد من العودة، وباقية من البقاء، والصمُودِ، وفتحي من الانتساب لفتح، وولاء سمّاه والدُهُ ولاءً، تجنّبًا لاحتمال أنْ يكون معارضاً كالشيوعيّين.
وأما أسماء القرى الفلسطينية، فلا يفتأ الراوي يذكرها في رسائله للسيد المحترم الذي يبعث بها إليه، فقد ذكر الرويس، وذكر الحَدَثة، وذكر الرامون، والمزرعة، وشعَبَ، والبرْوة، وميعار، ووَعْرة السريس، والزيب، والبصّة، وأقرُت، وذكر- فضلا عن ذلك - أسماءَ الشوارع، والأحياء، في عكا وحيفا، ومعالم مشهورة فيهما، كجامع الجزار، وساحة الحناطير، والفيْنري. وهذا من صميم الثقافة الشعبية، لأنّ أكثر هذه القرى جرى تدميرهُ، وتمّ محوُهُ، فذكر السارد هذهِ الأسْماءَ يستدعي الكثيرَ ممّا وقَعَ، وجرى، في هاتيك القرى، ويثبتها في سجل الوقائع، والمَواقِع، لا سيما وأنّ طابع الرحلة الأدبيّة هو أحدُ الأشكال الفنية التي تهَيْمنُ على هذا النص، مثلما تهيمن على الخطاب السرْديّ فيه، إذ منَ المعروف أنّ ابن جُبَيْر- الرحالة - زار عكا في العام 1158م فتحدث عنها، وعمّا تتعرَّضُ له من رياح ٍتهبّ من جهاتٍ عدّةٍ(22). وهذا شيءٌ اضطرَّ الساردُ لذكرهِ، مؤكدًا أنّ من خواصّ أدب الرحلة - وهو أنثروبولوجي في معظمه - استذكارُهُ الأمكنة أسْوَةً بما يتذكـّرُه من وقائع جرتْ في الزمن.
وبعضُ هذه الأماكن مثل: حيفا، والطنطورَة، ووادي النسناس، يتكرّر ذكـرُها في الحكاية تكرارًا يؤثرُ في الحوادث، كذلك بلدة جسْر الزرْقاءِ، واللد، التي جرت فيها حكاية ثريّا التي رجعتْ تسفّ الثرى.
والواقع أن هذه الرواية تمثل نموذجًا لامتزاج الثقافة الأدبية الرفيعة التي تصلنا بكانديد لفولتير، وبعطيل وديدمونة لشكسبير، والثقافة العربية الإسلامية : ابن جبير، والجاحظ، وابن المقفع، بالثقافة الشعبية : ألف ليلة وليلة، والأحاجي، والألغاز، التي تمثل نتفًا فولكلورية تتخلل النسيج النصّي، عدا التنوّع اللغوي الذي يمثل نموذجا جيدًا لما عناهُ باختين Bakhtin بتعدّد الأصواتِ، وبالمبدأ الحواري.
القراءة النسقيّة
لا جدل في أنّ من يقرأ ما سبق من مَلاحظ، حول الرواية، يستكشفُ وجود شخصية واحدة، على الأقل، ترتبط بها الحوادث المَحْكيّة في النص، فأبو النحس يهيْمنُ، من حيثُ هو ذات، على الرواية من البداية حتى ظهوره على الخازوق، وثمة علاقاتٌ متشابكة تصلُ بين هذه الذات المَهْزومةِ، والآخرين، ابتداءً من الشخصية الفضائية التي تتطوَّع لإنقاذهِ، والارتقاء به نحو عالم آخر، فيتخلص من المحنة، ومرورًا بعدَدٍ منَ الشخوص، الذوات، منهم من يتطوَّع لمساعدته كيعاد الأولى، والثانية، وباقية، ومنهم من ينتمي للطرفِ الآخر، مثل: يعقوب، والرجل الكبير، والدون سفسارشك. ومن حراكِ هذه الشخوص تتخلـّقُ الحكاية بما يتخللها من فواجع في بعض الأحيان، وفي أحيان أخْرى من حوادث دراماتيكية، غير متوقـّعَة، كظهور سعيد، ابن يعاد، وعودة يعاد في شخصية ابنتها، وانتساب ولاء، ابن باقية، للعمل المُسلّح، على الرغم من أنَّ الأبَ يكاد لا يصدق ذلك. ووراء هذا الترتيب الظاهر يكمنُ ترتيبٌ آخرُ للحوادث، وهو ظهور كلٍّ من يعاد، وباقية، وسعيد، وغيرهم.. ممن يسعوْنَ لتغيير الواقع المأساوي الذي يعيشه أبو النحْس، ملتذًا بهزيمتهِ، مستسلمًا لما يبديه من خضوع، وخنوعٍ، للإسرائيليين. وعلاوة على ذلك، فإنَّ وعيَه الباطنيّ هو الذي هداهُ إلى التعبير عن معتقداته المكبوتة برفْع رايةٍ بيضاءَ فوق منزله في حيْفا في أثناءِ الحرْب – حزيران 1967- كما لو أنه يُفصح، من غير أنْ يقصد، عن اعتقادِهِ بأنّ المدينة محتلة شأنها في ذلك شأن نابلس، وجنين، وطوباس، وغيرها من بلدان.
أما الدوْر الذي تجلى للمرأة في هذه الرواية، فأقلّ ما يقالُ فيه أنه خرقٌ للمألوف، والسائدِ، في تصوير المرأة في الأدب، فهي – ها هنا - تضطلع بدور غير هامشيّ، فعلى خلاف العادة هي التي تحاول إنقاذ الرجل البطل من محنته، وهي التي تحاولُ اكتشاف الكنز، وتزويد المقاوم بالسلاح، وهي التي ترفعُ رايَة الصمود والعصيان في وجه الاحتلال، والجلادين.
وتتخطّى في ذهابها، وقدومِها، ما هو ممْكن، وتتجشّمُ ما لا يُمكن، مؤكدة بذلك أنّ البنية الظاهرة في الرواية تخفي وراءَها بنية أخرى، فالجيل المهزوم، المتهاوي، لا يحولُ دونَ أن ينبثق منه جيلٌ آخر يقولُ للنكبةِ، وللنكسة: لا، وللأعداء أنْ يقفوا حيث هم، فقد كسَرَ حاجز الخوف، وولى زمن العملاء إلى غير رجعة.
وهكذا يتضح لنا أنَّ ما يختفي بين سطور هذه الرواية يمكن تلخيصه بما يأتي:
ثمة حركة متصاعدة وراء الهزيمة المنكرة التي يبديها سعيد أبو النحس، وهذه الحركة تتجلى في الدور الذي ينهض به على مستوى السرد كلٌّ من: يعاد، وباقية، وسعيد، وولاء. وأمّا المرأة، فتضطلع، بصفة خاصة، بدَوْر أساسيّ في هذه الحركة. وقد برزتْ الصورة بوضوح مع وجود شخصيّاتٍ تمثل الطرف الآخر، بما تؤديه من مواقفَ تنم عن اعتمادها على الخيانة، والعملاء. وفي النسيج السردي، الذي تبدو عليه إمارات الأدب الرفيع، الراقي، والسرد الأنيق، تتسلل عناصر من الثقافة الشعبية، وغير الشعبية، لتلقي على المحكيّ ظلالا تقرّبُ هذا الأثر الروائيّ من المُسْتوى الذي يُعْرفُ - عادةً - بثقافة ما تحْتَ الأرْض، وهذه الثقافة ألقت بظلالها على النسيج اللغوي، فجعلت الرواية تطبيقًا جيّدًا لما يوصفُ بالمبدأ الحواري، وبتعدّد الأصوات.
الهوامش
1. ميجان الرويلي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، ط2 ، 2000 ص 45
2. سمير خليل: النقد الثقافي من النص إلى الممارسة الخطابية،wijhat.com تاريخ23/9/2011
3. للمزيد انظر ميشيل فوكو: نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1984 ص53
4. رايموند وليامز: طرائق الحداثة، ترجمة فاروق عبد القادر، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، ط1، 1999 ص7
5. طرائق الحداثةص75-93
6. محمد نجيب التلاوي: وجهة النظر في روايات تعدد الأصوات العربية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط1 ، 2000 ص51، وانظر= ميخائيل باختين: شعرية دستويفسكي، ترجمة جميل نصيف التكريتي، طوبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986ص 26
7. باختين: السابق ص 265
8. دليل الناقد الأدبي، السابق، ص 45
9. الغذامي، عبدالله: النقد الثقافي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، وبيروت، ط2، 2001ص 50-53
10. النقد الثقافي ص52
11. إدريس الخضراوي: الأدب موضوعًا للدراسات الثقافية، دار الجذور للنشر والتوزيع، الرباط- المغرب، ط1، 2008
12. موقع شبكة نبأ، Webcach.googleusercontent.com
13. محمد علي طه: جسر على النهر الحزين، عربسك، حيفا، 1972 وانظر= إبراهيم خليل، في القصة والرواية الفلسطينية، دار ابن رشد للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 1984 ص 19-32 وانظر ص 523 من هذا الكتاب.
14. انظر= حسني محمود: الرؤية والدلالة والبنية الفنية في سداسية الأيام الستة، وزارة الثقافة، عمان، ط1، 2002
15. صدرت عن دار عربسك، حيفا، ط1، 1973 وانظر=: في القصة والرواية الفلسطينية،1984 ص 75-90
16. الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل، دار الهلال، مصر، ط1، 1988 ص 13
17. الوقائع الغريبة ص 32-33
18. الوقائع الغريبة ص 38
19. الوقائع الغريبة ص 35
20. الوقائع الغريبة ص 48
21. الوقائع الغريبة ص 22
22. الوقائع الغريبة ص 72
