أرشيفُ الوجوهِ
(1)
ذاكرة المرايا
تتسكّعُ الجهاتُ في جيبِ معطفي
كخرائطَ قديمةٍ..
فقدتْ بوصلتَها في زحامِ الصمت.
أنا الآن.. ترجمةٌ شاحبةٌ لبكاء النوافذ،
حين يعضُّ البردُ أصابعَ الضوء،
ويترك للمسافةِ..
أن تلوك صدى خُطاي المتعثرةِ.
على رصيف الوقت..
تنمو طحالبُ الكلامِ فوق جثثِ المعاني،
واللغةُ..
تلك الأفعى الرشيقة،
تنزع جلدَها المجازيَّ
لتغويَ الفراغَ بوهمِ الحقيقة.
ثمة ريحٌ..
تغسل وجهَ القصيدةِ بماءِ الكبريت،
وتدسُّ في فمِ الأبجديةِ
حصىً من ملحِ الحنين،
ليصير النطقُ جرحاً،
والسكوتُ.. هاويةً مؤجلة.
يا غياب..
أيها الممتد كخيطِ دخانٍ في رئة الغيم،
أعِدْ لي ملامحي التي تبعثرتْ
في مرايا مهشمة،
أعِدْ لي صوتي الذي
ضلَّ عنوانَ الوصول..
في مدنٍ من رملٍ وزجاج.
أنا سليلُ الانطفاء،
أحرسُ ما تبقى من رمادِ الرؤى،
وأرقب النجمةَ وهي تسقطُ
في فنجان عزلتي..
منتحرةً بشهوة الأفول.
لكنَّ الظلمة..
ليست سوى رحمٍ خفيٍّ لبرقٍ مرتقب،
ومن ثقبِ الإبرةِ في صدرِ الفراغ،
ينبجسُ الضوءُ..
خيطاً من ذهبٍ يحرثُ حقلَ الهباء،
كأنَّ العدم،
حين يضيق بظله،
يتقيأ شمسَه الأخيرة..
ليغسل وجهَ الوجود بفيض المستحيل.
(2)
ذاكرة الطفولة
هناك.. خلفَ سياجِ الوقت المنسي،
كانت الشمسُ رغيفاً دافئاً
تقتسمُه العصافيرُ على حافةِ شرفتنا.
كانت يدي..
خريطةً خضراء لا تعرفُ التيه،
وأصابعي..
أقلامَ رصاصٍ ترسمُ للريح أجنحةً من ورق.
في ذاكرة الطفولة..
لا تنكسرُ المرايا،
بل تتضاعفُ فيها وجوهُنا كأسراب حمام،
والظلُّ..
لم يكن عدماً يتربصُ بنا،
بل صديقاً ركضنا خلفَه بضحكاتٍ
لم تكن قد تعلّمتْ بعدُ.. طعمَ الكبريت.
أنا الآن..
أبحثُ في جيوبِ معطفي القديم
عن حجرٍ صغيرٍ رميتُه في بئر الأمس،
عن طائرةٍ ورقيةٍ
علقَ خيطُها بغيمةٍ.. ولم تعد.
أحنُّ إلى لغةٍ..
لم تكن الأفعى قد نزعتْ جلدَها فيها،
حيث كان "السكوتُ" لعبةً للاختباء،
وليس.. "هاويةً مؤجلة".
يا ذلك الطفلَ القابعَ تحت ركام السنين،
أعِدْ لي دهشتي الأولى..
قبل أن يغسلَ الملحُ وجهَ الرؤى،
أعِدْ لي يقيناً كان ينبتُ في أصيص الورد،
ويكبرُ..
دون أن يسألَ عما وراء الزجاج.
(3)
ذاكرة القهوة
في قاع الفنجان..
تنامُ خرائط مجهولة لمدنٍ لم نزُرْها،
وتستريحُ تضاريس الوجوه التي
غادرتْ ملامحنا.. في زحام الغياب.
القهوةُ..
ليست مجرد وقت مستقطع من النهار،
بل هي "الأسودُ" الذي يبتلع بياض الوحشة،
ويعيدُ فوضى الحنين.. فوق الطاولة.
ثمة بخارٌ..
يصعدُ كأرواح قلقة من سجن الغليان،
يرسمُ في فضاء الغرفة وجوهاً،
تنزلقُ قبل أن يمسكَها الخيال،
بينما الرائحة..
تلك الرسولة المخلصة للماضي،
تفتحُ أبواباً موصدة في غرف الذاكرة،
وتسحبني من ياقة وحدتي.. نحو مطابخ قديمة.
أنا الآن..
أهزُّ فنجان عزلتي ليصمتَ الضجيج في رأسي،
أرقبُ الهيل وهو يطاردُ مرارة الوقت،
كأنه يدٌ رقيقة..
تربتُ على كتف الانكسار.
يا قهوتي..
أيتها الصديقة السمراء الصامتة،
خبئي في سوادكِ سرَّ الذين مروا..
أعيدي لي صوت أمي في رنين الفناجين،
ودفء حديثٍ..
ذبلتْ أوراقه في مهبِّ الخريف.
بين رشفة وأخرى..
تولدُ القصيدة من رحم السواد،
وينبجسُ الضوء من حلكة البن،
كأنَّ الفنجان..
ليس سوى مرآة داكنة،
نرى فيها حقيقتنا.. قبل أن تبرد.
* ذات حصار 1992 وذاكرة حصار 1997
