ما الذي تخفيه سنوات الصداقة؟
الصداقة ليست مسألة عابرة في حياة الإنسان، وإن كان بعض الناس، ولا سيما في مرحلة الشباب، لا يدركون قيمتها الحقيقية إلّـا بعد أن تمضي بهم السنوات. فالإنسان كائن اجتماعي، لا يستطيع أن يعيش مكتفيًا بنفسه، مهما ادّعى الاستغناء عن الآخرين. والعزلة، حين تتحوّل من اختيار مؤقت إلى نمط حياة دائم، قد تسلبه شيئًا من حيويته وتوازنه، وتحرمه من دفء العلاقات التي تمنح الأيام معناها. ولعلّ هذا ما يجعلني أحرص على الصداقة، وأكره كل ما من شأنه أن يفسدها أو يترك في النفوس أثرًا من الخيبة والمرارة.
ولأنني جرّبتُ بنفسي الوحدة، وأدركتُ ما يمكن أن تخلّفه من آثار سلبية في النفس والصحة والعلاقات، أصبحتُ أكثر حرصًا على الوفاء بالتزاماتي، واحترام مواعيدي، وألّـا أترك لدى من أعتبرهم أصدقاء صورة لا تليق بما أكنّه لهم من تقدير. فالعلاقة الإنسانية، في نظري، ليست مجرّد كلمات تُقال، بل مواقف تتكرّر، حتى ولو كانت صغيرة، وتراكم من الثقة والاحترام والاهتمام المتبادل.
واليوم، تلقيتُ كعادتي مكالمة من صديقي ”الفيلسوف العجوز“، كما يحلو لبعض الأصدقاء تسميته، تيمّنًا بشخصية العجوز بطل رواية «العجوز والبحر» للكاتب الأمريكي «إرنست همنغواي». لقد أصبح اتصالنا اليومي أشبه بطقس لا نكاد نتخلّف عنه؛ نبدأ بالاطمئنان على أحوالنا العائلية، ثم لا يلبث الحديث أن يتحوّل إلى نقاش، وقد يحتدم أحيانًا، قبل أن نفترق تاركين وراءنا أسئلة كثيرة تظلّ تدور في أذهاننا.
وفي جلسة انفردنا فيها بأنفسنا، على غير عادتنا، وفي مكان لم نألفه من قبل، فرض موضوع الصداقة نفسه علينا. ووجدنا أنفسنا نعود بذاكرتنا إلى علاقات امتدّت عقودًا من الزمن، لنطرح سؤالًـا لم يخطر ببالنا يومًا أننا سنحتاج إلى طرحه:
هل طول العِشرة دليل كافٍ على صدق الصداقة؟
كم هو مؤلم أن يعود الإنسان، بعد سنوات طويلة من المودّة، إلى مراجعة علاقة كان يظنها راسخة، فيكتشف أن الطرف الآخر لا يمنحها المكانة نفسها، أو أنه ما زال يتحفّظ منه، ولا يثق به بالقدر الذي كان يتصوّره!
لا أتحدّث هنا عن حقّ الإنسان في الاحتفاظ بأسراره، أو عن اختلاف الطباع في التعبير عن المشاعر؛ فلكلّ شخص حدوده وخصوصياته، وليس من حق أحد أن يطالب صديقه بكشف كل ما في نفسه. إنما أتحدّث عن ذلك التناقض المؤلم بين علاقة نمنحها مكانة استثنائية في حياتنا، وبين شعورنا بأننا، لدى الطرف الآخر، لا نختلف كثيرًا عن سائر معارفه.
وهنا تبدأ الحيرة:
كيف يمكن لعلاقة أن تستمر عشرات السنين، فيما يظلّ أحد طرفيها يشعر بأنه مطالب بالحذر من الآخر، أو بأن عليه أن يتعامل معه بتحفّظ لا يتناسب مع ما يُفترض أن تكون عليه الصداقة من طمأنينة ومصارحة؟
إن لكل إنسان الحرية في اختيار من يحب، ومن يثق به، ومن يفضّل أن يُبقي بينه وبينه مسافة. لا اعتراض على ذلك. لكن من حق الطرف الآخر أيضًا أن يعيد النظر في علاقته حين يكتشف أن مشاعره وتوقّعاته لم تكن متبادلة بالقدر الذي ظنّه. فالوجع لا يأتي دائمًا من الخيانة الصريحة؛ فقد يأتي من اكتشاف أننا منحنا علاقةً معنى أكبر مما كانت تحمله في الواقع.
ولعلّ أخطر ما في هذا الاكتشاف أنه لا يهدم الحاضر وحده، بل يدفعنا إلى مراجعة الماضي أيضًا. نستعيد المواقف والحوارات والذكريات، ونسأل أنفسنا: هل كانت تلك المودّة صادقة كما تخيّلناها؟ هل كنّا نقرأ العلاقة قراءة مختلفة؟ أم أننا كنّا نرى ما نحب أن نراه، ونمنح الطرف الآخر من الثقة ما لم يكن مستعدًا لمنحنا مثله؟
إن الدهر كَشّاف، كما يقال؛ فقد يكشف أننا أسأنا تقدير مكانتنا لدى الآخرين، أو بالغنا في توقّعاتنا، أو افترضنا أن طول المعرفة يُنتج بالضرورة عمقًا في المشاعر والثقة.
ومع ذلك، يصعب علينا أن نتخيّل صداقة حقيقية تستمر عقودًا من الزمن دون أن تنشأ بين طرفيها مساحة من الطمأنينة والصدق.
يا لها من خيبة حين يكتشف المرء أن شخصًا وضعه في منزلة الأخ، وربما أقرب إلى قلبه من كثير من أقاربه، لا يراه بالمنزلة نفسها!
فالصداقة لا تُقاس بعدد السنين التي تجمعنا بالآخرين، بل بقدر الصدق الذي يسكن تلك السنين، والثقة التي تنمو خلالها، والطمأنينة التي نشعر بها ونحن على سجيتنا، دون خوف من أن تتحوّل مودّتنا إلى مادة للمناورة أو المجاملة.
وربما كان من دروس العمر أن نتعلّم، متأخرين أحيانًا، أن نحبّ الناس دون أن نُسقط عليهم تصوّراتنا، وأن نفي لهم دون أن نفترض أن الجميع يبادلوننا الوفاء بالطريقة نفسها، وأن نحافظ على الصداقة ما دامت تحفظ كرامتنا وصدقنا، دون أن نحملها أكثر مما تحتمل.
فليس كل من طال بقاؤه في حياتنا صار صديقًا حميمًا، وليس كل من خالفنا أو تحفّظ عنا عدوًّا. لكن الصداقة التي تستحق اسمها هي التي لا تجعل أحد طرفيها يعيش عمرًا كاملًـا وهو يظنّ أنه وجد أخًا، بينما لا يعرف الآخر إن كان قد وجد فيه صديقًا حقًا.
وقد حذّرنا النبي ﷺ من ذي الوجهين، فقال: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ».
إنه سلوك يناقض الصدق، ويجعل الإنسان يتلوّن بحسب من يجالسه، فيُظهر لكل طرف ما يرضيه، ثم يقول في غيابه ما لا يجرؤ على قوله في حضوره. وهنا لا تعود المسألة مجرّد اختلاف في المشاعر أو تفاوت في درجات الصداقة، بل تصبح امتحانًا للضمير والأخلاق.
ولعلّ ما يدعو إلى السخرية المريرة أنني صرتُ أجد في بعض الموسيقى التي يحرّمها بعض المتشدّدين راحةً وصدقًا أكثر مما أجدهما لدى بعض المحسوبين على الصداقة، ممن يُظهرون المحبة والإخلاص والوفاء في الحضور، ثم يجعلون من أصدقائهم مادة دسمة للانتقاد والانتقاص في الغياب.
وهؤلاء، للأسف، لا يكتفون بإفساد العلاقات بين الأفراد، بل يسهمون في تشكيل الرأي العام وتوجيه أحكام الناس بعضهم على بعض، من خلال أحاديث المجالس والهمس المتبادل، حيث قد تتحوّل الإشاعة إلى حقيقة، والغيبة إلى وسيلة لتشويه السمعة، والمجاملة إلى ستار يخفي ما وراءه.
إنه مجتمع تُصبح فيه الذاتية والأهواء الشخصية أقوى من الإنصاف، مجتمع قد يتمسّك فيه بعض أفراده بالمظاهر الدينية، بينما يغفلون عن جوهر الأخلاق التي يدعون إليها. مجتمع مسلم بالوراثة، لكن بعض أفراده لا يستحضرون، حين يتناولون أعراض الناس، أن الغيبة ليست مجرّد حديث عابر، بل انتهاك لحرمة الإنسان وكرامته.
وقد شبّه القرآن الكريم الغيبة بأبشع صورة يمكن أن يتخيّلها الضمير السليم، فقال تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾.
فإذا كان الإنسان يستقذر أكل لحم أخيه الميت، فكيف يستسيغ النيل من سمعته وكرامته في غيابه، ثم يعود إلى لقائه بوجه طلق وكلمات مفعمة بالمودّة؟
ما أقسى أن نكتشف، بعد سنوات من الصداقة، أن بعض ما حسبناه وفاءً لم يكن سوى مجاملة، وأن بعض ما ظننّاه محبةً لم يصمد أمام غيابنا! لكن الأقسى أن يصبح النفاق في العلاقات أمرًا مألوفًا، وأن يُساء فهم الصداقة حتى يغدو الوفاء استثناءً، ويصبح الطعن في الغائب حديثًا عاديًا في مجالس من يزعمون أنهم أهل مروءة وأخلاق.
