الثلاثاء ١٩ أيار (مايو) ٢٠٢٦

النخلة العمة وأبناءها الاشقياء

صباح كنجي

وقفة مع سعاد الراعي في مجموعتها القصصية«النخلة العمة وأبناءها الاشقياء»

كرست المبدعة سعاد الراعي ابداعها في مجموعتها القصصية الجديدة التي حملت عنوان (النخلة العمة وابناءها الاشقياء) المحتوية على 10 قصص قصيرة عن الأطفال.. تناولت من خلالها موضوع العنف الموجهة للأطفال.. وما يترافق في سياق هذا السرد القصصي لمظاهر التفكك الاسري وانعكاساته المباشرة على الأطفال..

واختلاف الثقافات والقيم الاجتماعية.. من خلال الأماكن التي حددت معالمها ابتداء من العراق حيث البصرة والعشار ومروراً باليمن وصوفيا وبلغاريا وبقية بلدان المهجر..

التي انتقلت فيها العوائل قسراً بحكم تواصل الملاحقات والقمع السائد الذي تتفرع منه جملة مواقف لا تخلو من مظاهر العنف.. بحكم اختلاف المفاهيم وتعدد أوجه الثقافة.. وما يرافقها من تصرفات بريئة او متمردة للأطفال.. بحكم قساوة الجو..
كما هو الحال في البصرة ولجوء الأطفال للاستحمام والسباحة في الشط.. وما يرافق هذا التصرف.. من قلق وتوتر يؤدي لشدة تعامل.. يلجأ من خلالها الاب للعنف لكي يضع حداً لهذه التصرفات.. لا تخلو من جوانب ساخرة.. حينما يلجأ الأطفال للحيل وتجفيف سراويلهم المبللة تحت عجلات السيارات المارقة في الشارع العام.. وتكون النتيجة تعلق بعضها في إطار العجلات ومصيبة للأطفال.. تعرضهم للعنف الأسري..

سرعان من نجد في النهاية مفاجأة تنهي هذا العنف من خلال توسط الجدة او رجل تقي لجأ له الأولاد للحماية من غضب ابٍ طفران.. قرر ملاحقة ابنه وتكون النتيجة مساومة مقبولة يفوز بها الأطفال.. تعكس بعداً اجتماعياً واخلاقياً تربوياً.. تشخص بديلاً مقنعاً للعنف.. تنبه له الكاتبة من خلال قصصها التي كرستها كهدف منها لنقد السلوك الاجتماعي.. الذي يستسهل العنف الموجه للأطفال وممارساته البشعة..

طالما كان بالإمكان خلق البديل التربوي.. واللجوء للتفاهم والتوجيه المقنع والعفو.. بدلاً من المنع والقسوة التي تلاحق الطفولة وتحطم شخصيتهم..

دون ان نغفل إن أجواء القصص لا تخلو من حالات مزح وسخرية تجعل القارئ يتمتع بما تسرده بشوق الكاتبة مع كل قصة بأسلوب لا يشعرك بالملل.. كأنك طفل صغير تعود لملاعب الصبا.. مقاعد الدراسة.. اجواء الاحياء التي مررت بها ومارست شقاوتك فيها.. في تلك المراحل..

ولا تكتفي القصص بهذا المستوى من الطرح.. فتنقلك الى مستوى اخر من التعامل الأخلاقي مع العنف.. الذي يتطلب الإدانة.. ويطال حالات جماعية لسكان غزة في قراءة أولية لطبيعة العنف الممارس..

الذي عكست أبشع صوره فيها وتحول من عنف فردي أسرى محدود موجه للأطفال في نطاق عوائلهم ومساكنهم.. واحياناً محيطهم القريب في ذات الحي او المدينة والشاطئ كما هو الحال مع البصرة والعشار..

الى فضاء الدمار الشاسع الذي يحيط بالفلسطينيين واطفالهم الذي خلف الايتام في سياق هدف أوسع يسعى للإبادة الجماعية.. والقضاء على الطفولة.. التي لا تجد وسط الخراب.. الاّ بقايا الدم المراق من الاب والام.. لتقدمه الطفلة الناجية من الموت هدية لشقيقها الآخر في غزة المنكوبة..

بهذه المجموعة القصصية.. المكرسة لمعاناة الأطفال.. من جراء العنف الاسري والاجتماعي والسياسي.. تجعلك سعاد الراعي تعيد موقفك ألف مرة قبل ان تنهر طفل شقي.. مهما تمادى في شقاوته.. لتبحث اولاً عن بديل مقنع وصيغ تربوية للتفاهم مع جيل من الورود البشرية.. في عصرنا الذي ما زال تتواتر فيه نزعات الحروب والاقتتال بين البشر.. لأسباب اقل ما يمكن القول انها تافهة.. لا تليق بالشر.. ولا يمكن تبريرها وقبولها.. يكون فيه الاطفال أولى ضحاياها.. وتتطلب موقفاً مناهضاً للعنف والحروب.. بهذه القصص المناهضة للعنف الموجه للأطفال.. تجسد سعاد الراعي موقفها الثقافي الرافض لكافة اشكال ومظاهر العنف السائدة في عصرنا..

ثقافة ضد العنف.. تنتصر للإنسان وتنبه لأهمية تنشئته من الطفولة.. حري بكل عائلة ان تقرأ هذه المجموعة القصصية.. ولأهمية محتواها.. ادعو وزارة الثقافة واتحاد الكتاب في العراق لتبنيها وإعادة طبعها..

صباح كنجي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى