العزوف الانتخابي والسياسة لدى الشباب
هل الاتحاد قوة؟ أم مجرد تواطؤ جديد؟
لم يعد ما يجري في المشهد السياسي المغربي مجرد تحالفات عابرة، بل أصبح تجسيداً صارخاً لتواطؤ النخب داخل دوائر مغلقة، حيث تُطبخ القرارات في صالونات الامتياز بحي السويسي، بعيداً عن هموم الشعب وآلام الشباب.
هناك، حيث لا صوت إلا للمصالح، وُلد تحالف “الشبيبات” الحزبية، لا كحركة نضالية، بل كواجهة جديدة لإعادة توزيع الامتيازات.
أي مفارقة هذه؟
شبيبات أحزاب تدّعي الاختلاف، تجتمع فجأة حول مطلب واحد: رفع حصتها داخل البرلمان. لا حديث عن بطالة الشباب، ولا عن الإقصاء الاجتماعي، ولا عن التعليم المنهار. فقط مقاعد أكثر، وامتيازات أوسع، وشرعية مزيفة تُفصَّل على المقاس.
أي شرعية لهذا المطلب؟
لو كان هؤلاء صادقين، لكانوا توحدوا من أجل قضايا الشباب الحقيقية: من أجل الحق في العمل، في الكرامة، في التعليم، في العدالة الاجتماعية. لكنهم اختاروا الطريق الأسهل: اقتسام الكعكة بدل تغيير قواعد اللعبة.
لائحة الشباب: إصلاح أم خدعة؟
قُدِّمت لائحة الشباب كآلية لإدماج جيل جديد في السياسة، لكنها تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج نفس المنظومة بوجوه أصغر سناً، لكنها تحمل نفس العقليات ونفس الولاءات. إنها ليست إلا قناعاً شبابياً لشيخوخة سياسية مزمنة.
في بلدان أخرى، يُستعمل التمييز الإيجابي لتصحيح اختلالات تاريخية حقيقية. أما في المغرب، فقد تم توظيفه بشكل انتقائي، يخدم التوازنات السياسية أكثر مما يخدم العدالة الاجتماعية.
التمييز الإيجابي: أداة إصلاح أم آلية تحكم؟
لم يُدرج هذا المبدأ في الدستور لأنه، ببساطة، لم يُرَد له أن يكون حقاً دائماً، بل أداة ظرفية قابلة للتوظيف والتراجع حسب الحاجة. إنه ليس التزاماً مبدئياً، بل تقنية سياسية لضبط التوازنات.
ماذا حققت هذه اللائحة؟
نعم، أدخلت بعض “الشباب” إلى البرلمان، لكن أي شباب؟
شباب تم اختيارهم بعناية من طرف القيادات الحزبية، على أساس الولاء، أو النفوذ العائلي.
لقد تحولت هذه اللائحة إلى ريع سياسي مقنّع، تُمنح من خلاله المقاعد كغنائم، لا كاستحقاق نضالي. وهكذا، بدل تمكين الشباب، تم تدجينهم وإدماجهم في منظومة تخدم إعادة إنتاج السلطة نفسها.
أما عن المشاركة السياسية، فالأرقام صادمة:
الشباب، الذين يمثلون أكثر من ثلث المجتمع، هم الأقل تصويتاً. لكن هل هذا عجز أم موقف؟ هل هو جهل أم رفض واعٍ لمسرحية انتخابية فقدت مصداقيتها؟
كيف نطلب من الشباب المشاركة، بينما تُغلق في وجوههم أبواب التسجيل، وتُقابل طلباتهم بالصمت واللامبالاة؟ تجربتي الشخصية ليست استثناءً، بل نموذج لما يعيشه آلاف المواطنين الذين يُقصَون بصمت من العملية الانتخابية.
من المسؤول؟
ليس الشباب.
المسؤول هو نظام سياسي فقد القدرة على الإقناع، وأحزاب تحولت إلى آلات انتخابية بلا روح، تُدار بمنطق الغنيمة لا بمنطق الخدمة العامة.
انعدام المسؤولية السياسية
النائب الذي يصل عبر اللائحة الوطنية لا يمثل دائرة، ولا يخضع لمحاسبة حقيقية، ولا يخشى العقاب الانتخابي. إنه مدين فقط لمن وضع اسمه في اللائحة، لا لمن يفترض أنه يمثلهم. وهنا تتحول السياسة من تعاقد مع الشعب إلى ولاء للأشخاص.
المشكلة أعمق من العزوف الانتخابي
إنها أزمة عزوف سياسي شامل.
الشباب لا يرفضون فقط التصويت، بل يرفضون الانخراط في لعبة لا يرون فيها أنفسهم.
وكما أشار دانييل غاكسي، فإن التسييس هو المدخل الحقيقي للتغيير. لكن كيف يمكن تسييس مجتمع تُهمل فيه الفضاءات المحلية، وتُفرغ فيه الأحزاب من دورها التأطيري؟
التغيير لن يأتي من فوق.
لن يأتي من لوائح مفصلة، ولا من تحالفات مناسباتية.
التغيير يبدأ من القاعدة، من الأحياء، من الجامعات، من الشارع.
إذا كانت الأحزاب جادة، فلتكف عن إعادة تدوير نفس الوجوه، ولتمنح الفرصة لشباب حقيقيين، لا لشباب السلطة.
أما إذا استمر الوضع على ما هو عليه،
فإن العزوف لن يكون مجرد موقف، بل سيتحول إلى إدانة جماعية لنظام فقد شرعيته في أعين شبابه.
