العربي الطائر يرحل من بيروت
تحت المئة بعام سقط نقولا زيادة واسقطته في الغالب عاصفة هذا الصيف العاتي هو الذي كان يهيئ لميلاده المئة متأكداً من بلوغه. لبناني من أصل فلسطيني مولود في دمشق. تقول سيرته. انه العربي الطائر وما كنا لنجد بداية افضل من هذه لمؤرخ. من جمع المشرق العربي في ولادته اضاف إليها المغرب فدرس في ليبيا وغدا خبيراً بالمغرب العربي كله. كان نقولا زيادة من النخبة التي صنعت هذا القرن.
لقد تكون في مشروع التحديث العربي وفي ابان التراسل والتقاطع بين الشرق والغرب، فالرجل الذي نال الدكتوراه من جامعة لندن عام 1950 نالها عن موضوع اثير إليه تاريخ المدن السورية.
والحق ان نقولا زيادة ظل هائماً بين هذه المدن مؤسساً بين مؤسسين أوائل لثقافة مدينية. بين دمشق والناصرة والقدس وبيروت عاش رجل وسعت حياته كل هذه التقاطعات، ووسعها مؤلفه ايضا الذي توزع على القديم والحديث. مديني حديث وبهذه الصفة ساهم نقولا زيادة في بلورة الفكرة القومية <الوطنية والعروبة> و<العروبة في ميزان الوطنية>. وكانت فلسطين بالطبع في قلب هذه الفكرة إن لم تكن قلبها.
في حياته الطويلة انجز نقولا زيادة لا قائمة طويلة من المؤلفات فحسب، بل قائمة اطول من الاعمال. استاذ في فلسطين وهارفرد وبرقة وبيروت، عمر اكاديمي خصب لكن ايضا عمر سياسي واجتماعي لا يقل خصوبة. واكثر من ذلك نموذج لممانعة قرن، وشهادة على قرون، ونمط من الرجال والحياة والسلوك لا مثيل له. سقطت حياة نقولا زيادة تحت المئة لكن عاشها حتى الثمالة وحتى آخر يوم. كان سعيدا بشيخوخته سعادته بشبابه. اما الذين عرفوه فقد رأوا كيف يبقى المرء حساساً لزمنه ولعصره مهما كان هذا العصر. الذين عرفوه ادركوا كيف يولد المرء ليكون مؤرخاً ولينجز تاريخاً او يسهم في صناعة تاريخ.
