الأحد ٣ أيار (مايو) ٢٠٢٦

أشهر قصة حب في رواية «أخناتون ونفرتيتي الكنعانية»

سحر سامي

أشهر قصة حب في رواية «أخناتون ونفرتيتي الكنعانية» لصبحي فحماوي

نقرأ رواية أخناتون ونفرتيتي الكنعانية، فنجدنا لا نقرأ أحداثاً مضت؛ وإنما نرى ونشاهد ونستمع ونتذوق ونتلمّس عوالم حية قادمة إلينا من عمق التاريخ، بل هي فعلياً تحدث الآن، وتستمر باقية في الزمن، فالروائي صبحي فحماوي، كأنما يقتحم الكون باللغة؛ ويطالعنا بعالم مفعم بالحياة والتساؤلات.

فهو يتطرق إلى التاريخ في مرحلة خاصة ودقيقة من مراحله، وهي مرحلة الثورة الدينية وانتقال الديانة من عبادة آمون إلى عبادة آتون إله الشمس، والتحرر من عبادة آلهة متعددة إلى عبادة إله واحد متمثلاً في قرص الشمس، مما جعلها مرحلة صراع بين أخناتون وبين الكهنة، ومحاولة التمرد علي سيطرتهم ونقل العاصمة من طيبة إلى تل العمارنة، وكطبيعة المراحل التى ترتبط بثورة دينية أو سياسية، فإن هذا التحول يحمل معه ثورته الجمالية علي مستوى الفن واللغة وطبيعة العلاقات بين البشر أو نظرتهم إلى الأمور. وكذلك التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في تلك الفترة.

وفي أجواء إيروتيكية متفردة، يتنقل بين مشاهد قصة من أشهر قصص الحب في التاريخ هي قصة أخناتون وكليوباترا, وما أحاط بهما من أجواء رومانسية، إذ يكشف السارد من خلالها عن العلاقة بين الرجل والمرأة في هذا العصر، ليس فقط في قصتهما، وإنما في العلاقات الإنسانية الموجودة بالرواية كافة، وعلاقات الحب والزواج، وعلاقة ذلك بالفكر والدين والسياسة. فهو مثلاً يحدثنا أو يرينا بعضاً من جوانب علاقة الملكة تيي بالملك امنحتب الثالث الأب، وزيجات هذا الملك ولهوه في رحلات الصيد، وما شابه.

ويمكن اعتبار العلاقة بين الحضارة المصرية والكنعانية بطلاً أساسياً في هذه الرواية، من خلال جدلية الحب والحرب والأسطورة. تتوهج فيها تفاصيل المكان والأحداث التي تدور على أرضه، وتعيش الشخصيات حياتها المفعمة بالحركة والحلم والوجود.

ويستلهم السارد معركة مجدو الشهيرة التي وقعت بين الفراعنة والكنعانيين كحدث أساسي في الرواية تاركاً لنفسه حرية الخيال الروائي في التعامل مع التاريخ ليمتع القارئ بأساليبه السردية واللغة الشعرية التي تهيمن علي الكتابة في وصف المشاهد والشخصيات والبناء الدرامي وتوظيف التراث الإنساني والحس الصوفي العميق والخيال العلمي المرتبط فكرة آلة الزمن.

أحداث الرواية:

يبدأ الأمر بقرار العالم الصيني المسؤول عن منظار الزمن أن يعطي صبحي فحماوي، -يذكره بالاسم- فرصة لاستخدام المنظار الزمني الذي يجعله يستطيع مشاهدة أي زمن يريد استرجاعه، فيستغل فحماوي هذه الرؤية الطويلة ليشاهد، ويكتب رواية معلوماتية تسرد أحداثاً من التاريخ القديم فيدهش بها القراء.إذ يقول:

"صرت أشاهد الحياة القديمة التي تطلبت صوتاً وصورة، في وادي النيل الأخضر وفي بلاد كنعان الجميلة، وهي تمر أمامي وكأني أقف فيها الآن".

وبناءً على هذه الفرصة العجيبة، يطلب فحماوي ممن منحه هذه الفرصة أن يعود به إلى عصر "أمنحتب الثالث وزوجته الملكة تيي، وابنه أخناتون عاشق الجميلة نفرتيتي، للتعرف على قصة حبهما، ومشاهدة معركة مجدّو الشهيرة". ومما ورد في المصادر التاريخية أن معركة مجدو الكبرى كانت في عهد تحتمس الثالث التي وطدت سلطة مصر في تلك المنطقة قديماً في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أما فترة أمنحتب الثالث فقد اعتمدت فيها العلاقة بالكنعانيين وأهالي مجدو علي المراسلات الدبلوماسية والمصاهرة، وكان عصر ترف ورخاء باستثناء بعض حركات التمرد نتيجة طبيعة الحكم الفرعوني وقتها، فكانت معركة مجدو الثانية، التي لا تعدو كونها علاقة حب، لم يشهد مثلها التاريخ، فالواقع التاريخي والخيال الروائي يتفقان فعلياً في التوثيق للتشابهات والاختلافات الحضارية وملامح الصراع القديم وعناصر التوافق والامتزاج بين الحضارة المصرية والكنعانية.

وفي هذا السياق نرى على الشاشة تاريخ 1350 قبل الميلاد. المكان مدينة طيبة. قصر الفرعون "أمنحتب الثالث"- النيل، الخضرة اليانعة، الحدائق الغنّاء، هذا العالم الساحر يخفي أسراراً وقصصاً ومشاعر.. وفي اللقطة التالية نشاهد مع المؤلف تلة مرتفعة قليلاً عن البحر. يقول له منظار الزمن: إنها "مملكة مجدو" والتي تعتبر "أحد أهم المواقع العسكرية القريبة من البحر الكنعاني الكبير، إذ شهدت أكثر من معركة فاصلة، أثّرت في مستقبل المنطقتين الكنعانية والفرعونية معاً، وكانت لهذه المعركة التي صورها منظار الصين قصة مختلفة تماماً، إذ لم تسِل فيها دماء، بل سال فيها الحب والغرام بين إلهام- نيفرتيتي وبين أمنحتب الثالث- أخناتون.

وهنا نشاهد رفائيل ملك مجدو وهو يتزعم جيوش الحلفاء من أُمراء الممالك الكنعانية، ومشاهد من تدريب الجنود والاستعداد للمعركة، التي ستكون بينهم وبين مصر. واعتماداً على ما يوضحه له العقل الإلكتروني من أن "صور حيواتنا الحالية تنتقل إلي الفضاء بسرعة الضوء فتكون مشاهدتها في كل لحظة ممكنة في مجرات أبعد وأبعد، تقدر بمليارات السنوات الضوئية، وها هي تصل الآن بعد ذلك الزمن الذي مضى وانقضى، فتظهر على أحد كواكب مجرة بعيدة بعيدة عن المجموعة الشمسية، والتي ينعكس فيها الصوت والصورة، لهذا يمكننا مشاهدتها وكأننا نعيشها الآن, ونراها تحدث أمامنا"
وهنا يتفرج القارىء على هذه المرحلة التي تزخر بالحب والشجن والشجاعة والوحي الروحاني العميق، السنوات التي عاش فيها أخناتون ونفرتيتي، ويسجل السارد على هاتفه تفاصيل الرواية.

وتبدأ الرواية بوصف بليغ يمتلئ بالحركة والصور والألوان والأصوات، فإذا بنا ننتقل من هدوء طيبة؛ الأقصر، ببيوتها الطينية البسيطة، ومعابدها الحجرية العملاقة، ونيلها الدافق بهدوء، إلى صخب حركة السفن والشباب والشابات يحملون أشياء بسرعة إلى إحدى السفن، والجنود ومستلزمات المعركة والهرج والمرج والضجيج، ونكتشف أن هذا المشهد البانورامي هو تمهيد ليفاجئنا بظهور شخصية لها تأثير كبير في التاريخ المصري، هي شخصية "حور محب" الذي أراد أن يهتم بالجيش، ويقوم بتجنيد وتوجيه حدادين مصريين ونوبيين وكنعانيين يعملون في مجال صناعة الأسلحة، وتحويل أفراد الجيش إلى جنود نظاميين، "يأمر وينهى ويصرخ هنا، ويخفض صوته هناك" مما يدلُّ مع ملامحه على قوة الشخصية والإصرار والطموح.

ثم في نقلة سريعة أخرى يأخذنا إلى الملك أمنحتب الثالث، وهو ينطلق متحفزاً بعربته، ثم يجلس على مقعده الملكي، والعربة هي عربة صيد ملكية متداخلة الألوان تنطلق كالرماح، يقودها حارسان للملك، ويصاحبها موكب من عربات الخيول يعلوها فريق من النساء المرحات الجميلات "كل اثنتين منهما تقفان على عربة يجرها حصان جامح".. مشهد هو لوحة تشكيلية، أو لقطة من فيلم سينمائي، مما يؤكد تكامل الفنون في إبداع فحماوي، بل إنه في حوار مكثف للملك مع معاونيه في الصيد، يخبرنا الكثير عن قوة الامبراطورية في زمنه، وميله لإلغاء الحروب، وأنه بعد قضائه على القلاقل في بلاد كوش، والانتصار على المتمردين النوبيين، تم وقف الحروب، خاصة أن حدود الامبراطورية قد اتسعت حتى وصلت إلى الشلال الرابع، وهذا دليل على أن الدولة كانت قوية في عهده، واستطاعت التوسع وتحقيق قدرٍ كبيرٍ من الاستقرار.
ثم يأخذنا السارد إلى مكان آخر شديد الروعة والشاعرية في شمال شرق مدينة الخليل، في جنوب فلسطين، حيث المرتفعات والأشجار والمنخفضات السحيقة المفروشة بالضخور والأعشاب، وحيث الينابيع وأشجار البلوط والصنوبر لنشاهد معاً شخصية "عبدي حيبا" خادم محميات الفرعون. ويصور لنا مع شخصية عبدي حيبا نمط الحكم لهذه المنطقة والهيمنة الفرعونية فيما يتعلق بالإدارة، وكيف يستخدم أناساً من الكنعانيين أنفسهم للسيطرة على ذويهم وأبناء بلادهم، والضغط عليهم، ويسجل لنا نص رسالة من عبدي حيبا إلى الفرعون أمنحوتب الثالث مملوءة بالود والخضوع والاستعطاف، يطلب منه أن يرسل له حامية كي يتمكن من الذهاب إليه في مصر ليحكي له عن مخاوفه من غضب الفلسطينيين، الذين يعانون حياة قاسية "ومن سرقات البدو الرُّحّل، لما تطوله أيديهم من محتويات المحمية، إضافة إلى نهب جماعة الفرعون للكثير من الممتلكات."

ثم ينتقل بنا إلى رفائيل ملك مجدو الكنعانية، وكعادته يمعن في وصف أبعاد الشخصية ويمنحها الحياة كأنما هي تتحرك أمامنا. ويصفه وهو يستعد لمقابلة الفرعون، فتطلب منه امرأته "مثال" أن يصطحب ابنته إلهام معه.

وتذهب إلهام مع أبيها في رحلته، حيث يلتقي بالملك الفرعوني، وبينما هما يتباحثان في الشؤون السياسية، تذهب إلهام للسباحة في البحيرة، فيراها الأمير الشاب أمنحتب وهي تغطس في الماء، فيخشى عليها من الغرق، مما يدفعه لمحاولة إنقاذها، ولكنه يلاحظ أنها تتقن السباحة وتتلاعب بالماء، فيحدث تعارف بينهما، ويرى فيها شيئاً من روح إيزيس، وجمالها الأسطوري، وفي إطار الحديث، تخبره أنها تؤمن بالزواج المقدس، عملاً بمبادئها التي علمتها لها أمها، التي أعطتها تمثالاً صغيراً للإلهة الكنعانية (شاباس) أي الشمس، وتخبره أنها تقدس الشمس في داخل نفسها..

وعندما تسأله عن ديانته يخبرها "أنا لا أصلي لأحد.. ولكنني أُقدس الشمس التي تحملينها في يدك". وقد يحمل هذا التعبير أكثر من إشارة، فهو يشير إلى التمثال الذي في يدها، كما يشير على مستوى أعمق إلى النور، أو المعنى الإشراقي للوجود بمنظور صوفي، وإلى التحول في فكر أمنحتب الديني، وكذلك يشير إلى الشمس التي حملتها إليه فأشرقت بداخله –عندما رأها – حباً ونوراً خلاباً، ودفئاً بالروح ولهيباً بالفؤاد. ويخبرها أنه مسالم لا يحب الحروب، ويقدس معنى الحياة في الإنسان، وسائر الكائنات..

ويسترسل الحوار بينهما كقصيدة شعرية يتبادلان أبياتها، فبه تكتمل وبها يكتمل، وتتكشف جوانب من فكرهما ونظرتهما للحياة، لدرجة أن يُذْهَلَ أمنحتب برأيها المطابق لرأيه، وقدرتها علي الحوار والتعبير الحر عن نفسها، فيقرأ عليها إحدى قصائده الجميلة، ومنها:

"ما أروع بزوغ الشمس..
حيث يندفع من قلب الإله آتون..
إلى عباب السماء،
لينير الدنيا بأكملها.."

ثم ينتقل المشاهد معهم إلى موضوع تعدد وكثرة الآلهة عند الكنعانيين، فتسأله إلهام عن عبادة المصريين وآلهتهم المختلفة، فيخبرها أن في مصر آلهة أكثر مما هي لدى الكنعانيين، وأنهم في مصر يعانون من وطأة هذه الآلهة الكثيرة، وخاصة الإله آمون وكهنته، ورجال الدين الذين يتدخلون في كل كبيرة وصغيرة ، لدرجة أنهم أصبحوا هم القوة المسيطرة علي حياة الناس، وهنا يبوح لها بمكنونات نفسه.

وخلال الجلسة، تقرأ عليه قصيدة تبتكرها من وحي اللحظة عن الشمس التي جمعهما حبها، والإيمان بنورها، مشارِكةً أفكاره نحو إله "يختلف عن آلهة الكنعانيين وآلهة المصريين". وهنا تبوح له بما يقاسيه أبناء شعبها من ابتزاز واستغلال لطاقاتهم، في ظل قسوة حكام مصر، وأنها سمعت أباها يقول إنهم لم يعودوا يتحملوا هذا القهر، وأنهم سيجمعون جيوش الممالك الكنعانية كلها لمواجهة جيش الفرعون، ثم تغادر مع أبيها مودعة أمنحتب، وهي تبكي، بعد أن أهدته تمثال شاباس الشمس وقالت له: "لعل شاباس هذا يذكرك بي ذات يوم". ويرد عليها بعبارة شديدة التأثير، هي بالفعل لبنة الرواية، فهي وإن كانت جملة شعرية في سياق رومانسي، إلا أنها أساس، وإرهاصةٌ للعديد من الأحداث التي سوف تأتي:

"سأعمل جاهداً لأجل أن نلتقي ثانية، فنبقى نعيش أنا وإياك معاً، ليروي أحدنا للآخر شعراً رائعاً يدوم إلى الأبد".

ويأخذنا فحماوي مع أمنحتب في تأملاته حول الوجود والآلهة، وسر النور العظيم، وتساؤلاته حول كثرة الآلهة، وجدوى وجودهم في حياة الناس.. ويصل إلى أنه: "هل يُعقل أننا مثقلون بكل هذه الآلهة، وأنه هل علينا أن ندفع جزءاً كبيراً من الممتلكات لرجال الدين، الذين يُشهر كل منهم علينا إلهاً مختلفاً؟"

وهنا يكشف لنا ما رآه عن العلاقة بين الحاكم ورجال الدين والشعب وفكرة الإله. وبعد مرور ثلاث سنوات يستعد الملك الكنعاني رفائيل للفعل، ويجمع الجيوش لمعركة مجدو، من سبعة وعشرين جيشاً مجتمعين من الممالك الكنعانية، لمواجهة أمنحتب الثالث فرعون مصر وجيوشه، التي يتزعمها حور محب، وذلك تحت إمرة الأمير أمنحتب ولي العهد.. وفي خطبة رفائيل للجيوش، يوضح طبيعة العلاقة بين المصريين والكنعانيين وسبب المعركة. ونرى مشهد الجيوش وقد احتشدت واستعدت وقامت بالصلاة تقديساً للإله (إل) والدعاء بالنصر لمملكة مجدو وممالك كنعان. وللحديث بقية.

سحر سامي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى